مولي محمد صالح المازندراني

109

شرح أصول الكافي

بذنوبهم ، ولم يندموا مؤخرون موقوف أمرهم لأمر الله تعالى في شأنهم إما يعذبهم أن اصروا على الذنب ، وأما يتوب عليهم أن تابوا ، ومن هذه المقدمات يعلم أن هذين الصنفين لم يكونوا مؤمنين ولا كافرين ، والله يعلم ، ولما لم يفهم زرارة المقصود منه قال ( فلما قال « عسى » ؟ فقلت : ما هم إلاّ مؤمنين أو كافرين ) وأعرض ( عليه السلام ) عن بيانه وتوضيحه وأشار إلى دليل آخر أظهر في المقصود كما يفعله الحكيم ، وقد صدر مثله من الخليل لإلزام نمرود كما نطق به القرآن الكريم وهو ما نقله زرارة . ( قال : فقال : ما تقول في قوله : عزَّ وجلَّ : ( إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) إلى الإيمان ) أي لا يستطيعون حيلة إلى الكفر فيكفروا ولا يهتدون سبيلا إلى الإيمان فيؤمنوا ، وقد مرَّ تفسيره بهذا في باب أصناف الناس ، وسيجئ في أول الباب الآتي وهذا صريح في أن المستضعفين ليسوا بمؤمنين ولا كافرين . ( فقلت : ما هم إلاّ مؤمنين أو كافرين ) هذا القول مكابرة وكأنه بنى ذلك على باطله ، وهو أن المراد بالكافر غير المؤمن ، أو على تفسيره الآية بوجه آخر ، وعلى التقديرين بالغ في إساءة الأدب ، ويمكن أن يكون مراده بذلك الاستقصاء في المناظرة ليعلم جودة الكلام ، وتحصل له قوة المجادلة مع الخصم . ( فقال : والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ) قد صرح بعض الأصحاب بأن المستضعفين الذين لا يعرفون الحق ولا ينكرون ، والذين لم تحصل لهم المعرفة بالدليل ما هم بمؤمنين ولا كافرين . ( ثمَّ أقبل عليَّ فقال : ما تقول في أصحاب الأعراف ؟ ) قد مرَّ تفسيره في باب أصناف الناس ( فقلت ما هم إلاَّ مؤمنين أو كافرين ) وذلك لأنَّهم ( إن دخلوا الجنَّة فهم مؤمنون ) ; لأن الجنَّة لا يدخلها إلاَّ مؤمن ( وإن دخلوا النار فهم كافرون ) ; لأن النار لا يدخلها إلاَّ كافر ، والمقدمتان ممنوعتان لأنَّ الجنَّة قد يدخلها غير مؤمن برحمة الله وفضله ، والنار قد يدخلها غير كافر بذنب غير الكفر كما ستعرفه ( فقال : والله ما هم بمؤمنين ولا كافرين ولو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنَّة ) أي ابتداء ، أو بسبب الإيمان ( كما دخلها المؤمنون ) كذلك وهذا لا ينافي دخولهم فيها بالرحمة كما سيأتي ( ولو كانوا كافرين لدخلوا النَّار ) أي ابتداء أو بسبب الكفر . ( كما دخلها الكافرون ) كذلك ، وهذا لا ينافي دخولهم فيها بذنوبهم غير الكفر كما سيأتي ، ( ولكنَّهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ) كأن المراد بهما الإقرار والإنكار ، وباستوائهما عدم رجحان أحدهما على الآخر أو الأعم منهما ومن الأعمال الصالحة والذنوب . ( فقصرت بهم الأعمال ) أي لم تبلغ بهم الأعمال الحسنة إلى مقصدهم وهو الجنَّة ، وفي المصباح قصرت بنا النفقة أي لم تبلغ بنا إلى مقصدنا . فالباء للتعدية .