السيد مهدي الصدر
46
أخلاق أهل البيت ( ع )
محاسن القناعة : للقناعة أهمية كبرى ، وأثر بالغ في حياة الانسان ، وتحقيق رخائه النفسي والجسمي ، فهي تحرره من عبودية المادة ، واسترقاق الحرص والطمع ، وعنائهما المرهق ، وهوانهما المُذل ، وتنفخ فيه روح العزة ، والكرامة ، والإباء ، والعفة ، والترفع عن الدنايا ، واستدرار عطف اللئام . والقانع بالكفاف أسعد حياة ، وأرخى بالاً ، وأكثر دعة واستقراراً ، من الحريص المتفاني في سبيل أطماعه وحرصه ، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم . والقناعة بعد هذا تمدّ صاحبها بيقظة روحية ، وبصيرة نافذة ، وتحفّزه على التأهب للآخرة ، بالأعمال الصالحة ، وتوفير بواعث السعادة فيها . ومن طريف ما أثر في القناعة : أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يقاسي الضُّر بين أخصاص البصرة ، وأصحابه يقتسمون الرغائب بعلمه في النواحي . ذكروا أن سليمان بن علي العباسي ، وجه إليه من الأهواز لتأديب ولده ، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزاً يابساً ، وقال : كل فما عندي غيره ، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان . فقال الرسول : فما أبلغه ؟ فقال : أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنىً غير أني لست ذا مال والفقر في النفس لا في المال فاعرفه * ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه * ولا يزيدك فيه حول محتال ( 1 ) وفي كشكول البهائي « أنه أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم إلى أبي ذر وقال له : إن قبل هذا فأنت حُرّ ، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر ، وألح عليه في قبوله ، فلم يقبل ، فقال له : أقبله فإن فيه عتقي . فقال : نعم ولكن فيه رقّي » ( 2 ) .
--> ( 1 ) سفينة البحار ج 1 ص 426 بتصرف . ( 2 ) سفينة البحار ج 1 ص 483 .