السيد مهدي الصدر

138

أخلاق أهل البيت ( ع )

قال : فأنتَ ذلك الغنيُّ الآن ، وأنت ذلك الملكُ ، فتسلى الرجل بكلامه . وقال بعض العارفين لرجل من الأغنياء : كيف طلبك للدنيا ؟ فقال : شديد . قال : فهل أدركت منها ما تريد ؟ قال : لا . قال : هذه التي صرفت عمرك في طلبها لم تحصل منها على ما تريد فكيف التي لم تطلبها ! ! ولا ريب أن تلك العظات لا تنجع إلا في القلوب السليمة ، والعقول الواعية ، أما الذين استرقتهم الحياة ، وطبعت على قلوبهم ، فلا يجديهم أبلغ المواعظ ، كما قال بعض العارفين : إذا أشرب القلبُ حبَّ الدنيا لم تنجع فيه كثرة المواعظ ، كما أن الجسد إذا استحكم فيه الداء ، لم ينجع فيه كثرة الدواء . ( ب ) غرور العلم ومن صور الغرور ومفاتنه ، الاغترار بالعلم ، واتساع المعارف ، مما يثير في بعض الفضلاء الزهو والتيه ، والتنافس البشع على الجاه ، والتهالك على الأطماع ، ونحوها من الخلال المقيتة ، التي لا تليق بالجُهّال فضلاً عن العلماء . وربّما أفرط بعضهم في الزهو والغرور ، فَجُنَّ بجنون العظمة ، والتطاول على الناس بالكبر والازدراء . وفات المغترين بالعلم أنّ العلم ليس غاية في نفسه ، وإنّما هو وسيلة لتهذيب الانسان وتكامله ، وإسعاده في الحياتين الدنيوية والأخروية ، فإذا لم يحقق العلم تلك الغايات السامية ، كان جُهداً ضائعاً ، وعَناءاً مُرهقاً ، وغروراً خادعاً : « مثل الذين حُملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً » ( الجمعة : 5 ) . وقد أحسن الشاعر حيث يقول : ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم * ولو عَظّموه في النفوس لعَظُما ولكن أهانوه فهان وجهّموا * محياه بالأطماع حتى تجهما فالعلم كالغيث ينهلّ على الأرض الطيبة ، فيحيلها جناناً وارفة ، تزخر بالخير والجمال ، وينهلّ على الأرض السبخة فلا يجديها نفعاً .