السيد مهدي الصدر

131

أخلاق أهل البيت ( ع )

هذا إلى الفارق الكبير ، والبون الشاسع ، بين لذائذ الدنيا والآخرة ، فلذائذ الأولى فانية ، منغصة بالأكدار والهموم ، والثانية خالدة هانئة . وهكذا أخطأوا بزعمهم الثاني في شكهم وارتيابهم في الحياة الأخروية . فقد أثبتها الأنبياء والأوصياء عليهم السلام والعلماء ، وكثير من الأمم البدائية الأولى ، وأيقنوا بها يقيناً لا يخالجه الشك ، فارتياب المغرورين بالآخرة والحالة هذه ، هَوَس يستنكره الدين والعقل . ألا ترى كيف يؤمن المريض بنجع الدواء الذي أجمع عليه الأطباء ، وإن كذّبهم فصبيّ غِر أو مُغفّل بليد . وبعد أن عرفت فساد ذينك الزعمين وبطلانهما ، فاعلم أنه لم يصور واقع الدنيا ، ويعرض خدعها وأمانيها المُغرِّرة كما صورها القرآن الكريم ، وعرّفها أهل البيت عليهم السلام ، فإذا هي برق خلّب وسراب خادع . أنظر كيف يصور القرآن واقع الدنيا وغرورها ، فيقول تعالى : « إنما الحياة الدنيا لَعِب ولهو وزينة وتفاخر بينكم ، وتكاثر في الأموال والأولاد ، كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ، ثم يهيج فتراه مصفرّاً ، ثم يكون حُطاماً ، وفي الآخرة عذاب شديد » ( الحديد : 20 ) وقال تعالى : « إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط به نبات الأرض ، مما يأكل الناس والأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ، وازينت ، وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً ، فجعلناها حصيداً ، كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكرون » ( يونس : 24 ) وقال عز وجل : « فأما من طغى ، وآثر الحياة الدنيا ، فانّ الجحيم هي المأوى ، وأما من خاف مقام ربه ، ونهى النفس عن الهوى ، فانّ الجنة هي المأوى » ( النازعات : 37 - 41 ) وقال الصادق عليه السلام : « ماذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها ، أحدهما