مولي محمد صالح المازندراني

33

شرح أصول الكافي

يكون أفعالهم بقدرتهم ولا يكون لهم زاجر أصلاً ( ولكن أمر بين أمرين ، قال : قلت : وما أمر بين أمرين ؟ قال : مثل ذلك رجل رأيته على معصيته فنهيته ) عنها ( فلم ينته فتركته ) بحاله وما زجرته عنها جبراً وقهراً ( ففعل تلك المعصية ) بقدرته واختياره ( فليس حيث لم يقبل منك فتركته ) مع قدرتك ( 1 ) على زجره عنها جبراً ( كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية ) أي جبّرته عليها ، أطلق الأمر على الجبر مجازاً فكما أنّك لمّا منعته منها بالزَّواجر والنصائح ما فوّضت الأمر إليه ولمّا رأيته أنّه يفعلها فتركته وما منعته منعاً يوجب تركه ما أجبرته عليها ، كذلك صنع الله بالنسبة إلى أفعال العباد فهذا أمر بين أمرين ، ولعلَّ التفسير المنقول سابقاً عن الصدوق وصاحب العدَّة راجع إلى هذا ، وقال الصدوق في كتاب عيون أخبار الرِّضا ( عليه السلام ) : « حدَّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي ( رضي الله عنه ) قال : حدّثنا أبي عن أحمد بن عليِّ الأنصاري ، عن زيد بن عمير ابن معاوية الشامي قال : دخلت على عليِّ بن موسى الرِّضا ( عليه السلام ) بمرو فقلت ، يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد ( عليهما السلام ) أنّه قال : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » ما معناه : قال : مَن زعم أنَّ الله تعالى يفعل أفعالنا ثمَّ يعذِبنا عليها فقد قال بالجبر ; ومَن زعم أنَّ الله تعالى فوَّض أفعال الخلق والرِّزق إلى حججه ( عليهم السلام ) فقد قال بالتفويض ; القائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك ; فقلت : يا ابن رسول الله فما أمر بين أمرين فقال : وجود السبيل إلى إتيان ما اُمروا به وترك ما نهوا عنه - الحديث » . وقال الشيخ الطبرسيُّ في كتاب الاحتجاج ( 2 ) وممّا أجاب به أبو الحسن عليُّ بن محمّد العسكري ( عليهما السلام ) في رسالته إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أن قال : « الجبر والتفويض ، يقول الصادق جعفر بن محمّد ( عليهما السلام ) عنما سُئل عن ذلك فقال : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ، قيل : فماذا يا ابن رسول الله ؟ فقال : صحّة العقل ، وتخلية السرب ، والمهلة في الوقت والزَّاد قبل الراحلة ، والسبب المهيّج للفاعل على فعله ، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلّة كان العمل منه مطرحاً بحسبه . وأنا أضرب لكلِّ باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين مثلاً يقرِّب المعنى للطالب ويسهّل له البحث من شرحه ويشهد به القرآن محكم آياته وتحقّق تصديقه

--> 1 - قوله « فتركته مع قدرتك » هذا هو معنى الخذلان المقابل للتوفيق ويحمل عليه أمثال قوله تعالى ( يُضلّ مَنْ يشاء ) أي يتركه مع ما يريد بسوء اختياره لأنه تعالى علم أنه لا يؤثر فيه الالطاف ( ش ) . 2 - قوله « في كتاب الاحتجاج » ورواه أيضاً في تحف العقول مع اختلاف في الألفاظ في الجملة . ( ش )