مولي محمد صالح المازندراني

34

شرح أصول الكافي

عند ذوي الألباب وبالله العصمة والتوفيق ، ثمَّ قال ( عليه السلام ) : فأما الجبر فهو قول مَن زعم أنَّ الله عزَّ وجلَّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها ومن قال بهذا القول فقد ظلّم الله وكذَّبه وردَّ عليه قوله ( ولا يظلم ربّك أحداً ) وقوله جلّ ذكره ( ذلك بما قدَّمت يداك وأنَّ الله ليس بظلامّ للعبيد ) مع آي كثيرة في ذلك ، فمن زعم أنّه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عزَّ وجلَّ وظلّمه في عقوبته له ، ومن ظلم ربّه فقد كذَّب كتابه ومَن كذَّب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمّة ، المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبداً مملوكاً لا يملك إلاّ نفسه ولا يملك عرضاً من عروض الدُّنيا ويعلم ذلك مولاه منه فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملّكه ثمن الّذي يأتيه به وعلم المالك أنَّ على الحاجة رقيباً لا يطمع أحد في أخذها منه إلاّ بما يرضي به من الثمن وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة ، وإظهار الحكمة ، ونفي الجور فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه ، فلمّا صار العبد إلى السوق وحاول أخذ الحاجة الّتي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعاً يمنعه منها إلاّ بالثمن ولا يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائباً بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه لذلك غيظاً وعاقبه على ذلك فإنّه كان ظالماً متعدِّيا مبطلاً لما وصف به من عدله وحكمته ونصفته وإن لم يعاقبه كذَّب نفسه أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة ، تعالى الله عمّا يقول المجبّرة علوّاً كبيراً . ثمَّ قال العالم ( عليه السلام ) بعد كلام طويل : فأمّا التفويض الّذي أبطله الصادق ( عليه السلام ) وخطّأ من دان به فهو قوله القائل : إنَّ الله عزَّ وجلَّ فوَّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم وفي هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقّته إلاّ الأئمّة المهديّة من عترة آل الرَّسول صلوات الله عليهم فإنّهم قالوا : لو فوِّض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازماً له رضاء ما اختاروا واستوجبوا به من الثواب ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب إذ كان الإهمال واقعاً وتنصرف هذه المقالة على معنيين إمّا أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبل اختيارهم بآرائهم ضرورة كره ذلك أم أحبَّ فقد لزمه الوهن ، أو يكون جلَّ وتقدَّس ، عجز عن تعبّدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم وأجراها على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان ومَثل ذلك مَثل رجل ملك عبداً ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عند أمره ونهيه ، وادَّعى مالك العبد أنّه قاهر قادرٌ عزيزٌ حكيم فأمر عبده ونهاه ووعده على اتبّاع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب فخالف العبدُ إرادة مالكه ولم يقف عند أمره ونهيه ، فأيُّ أمر أمره أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى ، بل كان العبد يتّبع إرادة نفسه وبعثه في بعض حوائجه وفيما الحاجة فصدر العبدُ بغير تلك الحاجة خلافاً على مولاه وقصد