مولي محمد صالح المازندراني

112

شرح أصول الكافي

الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً وإنَّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً ، وإنَّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً فلمّا جمع له الأشياء قال : ( إنّي جاعلك للناس إماماً ) قال : فمَن عظمها في عين إبراهيم قال : ( ومِن ذُرّيتي قال لا ينالُ عهدي الظالمين ) قال : لا يكون السفيه إمام التقي . * الشرح : قوله : ( إنَّ الله تعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً - الخ ) قبليّة العبوديّة على النبوَّة والنبوّة على الرِّسالة ظاهرة فإنَّ الرِّسالة أرفع درجة من النبوَّة كما يظهر من الأحاديث في الباب الآتي والنبوَّة أرفع درجة من العبوديّة فإنَّ أكثر الناس لهم درجة العبوديّة وليست لهم درجة النبوَّة ، وأمّا قبليّة الرِّسالة على الخلّة والخلّة على الإمامة فالوجه فيها أنَّ الخلّة قيل : هي فراغ القلب عن جميع ما سواه ، والخليل مَن لا يتّسع القلب لغيره وقد كان إبراهيم بهذه الصفة كما يرشد إليه قوله حين قال له جبرائيل ( عليه السلام ) : ألك حاجة وقد رمي بالمنجنيق أمّا إليك فلا ، فنفى ( عليه السلام ) في تلك الحالة العظيمة أن يكون له حاجة إلى غير الله تعالى ولا شبهة في أنَّ هذه الدَّرجة فوق درجة الرِّسالة إذ كلَّ رسول لا يلزم أن تكون له هذه الدَّرجة . وقيل : الخلّة صفاء المودَّة ولا يبعد إرجاعه إلى القول الأوَّل لأنَّ مَن كانت مودَّته لله تعالى صافية لم تكن له حاجة إلى غيره أصلاً ولا ينظر إلى سواه قطعاً وإلاّ لكانت مودَّته مشوبة في الجملة . وقيل : الخلّة اختصاص رجل بشيء دون غيره ، ولا ريب في أنّه كان له ( عليه السلام ) قرب منه تعالى لم يكن لغيره وهذه الدَّرجة أيضاً فوق درجة الرِّسالة . وأمّا الإمامة فهي أفضل من الخلّة لأنّها فضيلة شريفة ودرجة رفيعة وأجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها البشر بعقولهم ، وقد شرَّف الله تعالى إبراهيم ( عليه السلام ) بها فقال : ( إنّي جاعلك للناس إماماً ) بعد ما أعطاه الدّرجات السابقة فمن جهة عظم الإمامة في عينه ( عليه السلام ) قال سروراً بها ( ومِن ذُرِّيتي ) فقال الله تعالى إيماء إلى إجابة دعائه وتصريحاً بأنَّ الظالم في الجملة لا ينالها ( لا ينال عهدي الظالمين ) فأبطلت هذه الآية إمامة كلِّ سفيه وتقدُّم كلِّ ظالم على البرِّ التقي إلى يوم القيامة وقرَّرتها في الصفوة . ثمَّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرِّيّته أهل الصفوة والطهارة فقال : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكُلاً جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزَّكاة وكانوا لنا عابدين ) فلم تزل الإمامة والخلافة في ذرِّيّته الطاهرة يرثها بعض عن بعض قرناً بعد قرن حتّى ورثها الله تعالى نبيّنا ( صلى الله عليه وآله ) فقال : ( إنَّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتّبعوه وهذا النبيُّ والّذين آمنوا والله وليُّ المؤمنين ) فكانت لهم خاصّة فقلّدها ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام )