مولي محمد صالح المازندراني
48
شرح أصول الكافي
عبّر عنه بالفرجة الفاصلة بين المحسوسات تقريباً له إلى فهم المخاطب الزّنديق إذ وهمه مربوط بالمحسوسات وفهمه متعلّق بالجسم والجسمانيات فخاطبه بما يليق بحاله . ( فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما ) أي موجوداً قديماً مع الاثنين أمّا وجوده فلأنّه لو كان أمراً عدميّاً لزم أن لا يكون لكلِّ واحد منهما مميّزاً إذ ليس لكلِّ واحد منهما الأمر العدمي الّذي للآخر لتحقّق معنى الامتياز فلا بدَّ أن يكون له الأمر الوجوديّ الّذي يقابله فلا يرد أنّه يجوز أن يكون الفرجة أمراً عدميّاً فلا يلزم وجود إله ثالث وأمّا قدمه فلأن الاثنين القديمين ممتازان به فهو أيضاً قديم بالضرورة وإنّما لم يقل ثالثة قديمة لأنّه نظر إلى المعنى وهو مذكّر ( فيلزمك ثلاثة ) أي فيلزمك القول بوجود آلهة ثلاثة أو ثلاثة آلهة أو قدماء ثلاثة ( فإن ادَّعيت ) في أوَّل الفرض أو بعد الإلزام ( ثلاثة لزمك ما قلت ما في الاثنين ) من وجوب تحقّق الفرجة بينهم ليتحقّق الثلاثة ( حتّى تكون بينهم فرجة ) أي فرجة آخري غير المذكور أو أراد بالفرجة الجنس فيصدق على الفرجتين فصحَّ قوله ( فيكونوا خمسة ) فيكون الثلاثة مع الفرجتين خمسة ، فإن قلت : المراد بالفرجة ما به الامتياز ولا شبهة في أنّه لا بدّ لكلِّ واحد من الثلاثة ما يمتاز به عن الآخرين فاللازم حينئذ أن يكونوا ستّة لاخمسة ، قلت المراد بالفرجة هنا الأمر الوجودي الّذي يقع به الامتياز واللاّزم حينئذ ثبوت الفرجتين لجواز امتياز الثالث عن الأوّلين بأمر عدمي أي بعدم وجود هذين الفرجتين فيه ولذلك لزم في الفرض الأوَّل ثلاثة لا أربعة ، فإن قلت : إذا جاز ذلك في الثالث جاز في الأوَّلين أيضاً فلا يتجاوز العدد عن ثلاثة . قلت : قد عرفت ممّا ذكرنا أنَّ امتياز كلَّ واحد من الثلاثة بأمر عدمي يقتضي امتياز كلِّ واحد منهم بأمر وجودي ولا أقلّ امتياز الاثنين منهم به ، فإن ادَّعيت خمسة لزمك ما لزمك في الثلاثة حتّى يكون بينهم فرج أربعة فيكونوا تسعة . ( ثم يتنامى في العدد ) أي ينتهي المدبّر في العدد أو ينتهي القول في عدده ( إلى ما لا نهاية له في الكثرة ) فيلزمك أن لا تستقرُّ في عدد المدبّر على مرتبة معينة من مراتب العدد فإنَّ كلّ ما ادّعيت يلزمك زايداً عليه وأن تقول بأنَّ عدد المدبّر يكثر كثرة غير متناهية وهو باطل قطعاً ، ولعلَّ ما قلناه في شرح هذا الذليل أولى ممّا قاله بعض الأفاضل ( 1 ) من أنَّ المراد أنّه يلزمك إن ادّعيت
--> 1 - قوله : « أولى مما قاله بعض الأفاضل » القدر المعلوم المسلم في هذا الحديث أنه رد على رجل مانوي قائل بالنور والظلمة وتركب كل شئ منهما والمعلوم من مذهبهم أنهم لا يعترفون بوجود شئ غير جسماني أصلاً كما مرَّ في مطاوي الأحاديث السابقة ، فالنور والظلمة عندهم كانا موجودين جسمانيين في صقع من أصقاع هذا الفضاء ويجب شرح الحديث بما يرجع إلى رد هذا المذهب أو لا وبالذات ، فإن إستفيد منه شئ ينفع في رد سائر الأوهام والمذاهب فهو وإلا فلا يجب التكلف لحمله على استدلال أعاظم الحكماء في التوحيد وكلام الشارحين وإن كان في غاية التدقيق فإنه غير واف بالغرض الأصلي ولا ريب أن أمثال الزنادقة يتصورون المبدء الأول غير ما لئ للفضاء سواء كان نوراً أو ظلمة أو أجزاء ذي مقراطيسية أو ماء أو ناراً بل يجعلونه في جانب والباقي خال مطلقاً من أي شئ ثم أن الفرجة في كلام الإمام ( عليه السلام ) يحتمل معنيين الأول : الفرجة في الفضاء بين جسم وجسم آخر بينهما مسافة فاصلة . والثاني : المتوسط بين شيئين متضادين كاللون الأحمر والأصفر بين الأسود والأبيض ، والاحتمال الثاني أقرب في الحديث لأن الفرجة في الفضاء ليس بشئ موجود عند الطبيعيين والزنادقة وأيضاً لهم أن يجيبوا بأن المبدئين متلاصقان ولئن سلموا المسافة الفاصلة بين المبدئين وكونها شيئاً موجوداً قديماً لا يلزم تسليمهم بوجود مسافة ثانية وثالثة بين هذه المسافة والجسمين ، وأما النور والظلمة فإنهما متضادان يتصور بينهما فرجة ليست بالنور المحض ولا بالظلمة المحضة ولا وجه لعدم كونها واجبة مع تماثلها جميعاً مثلاً إذا قيل إن الأبيض والأسود قديمان ولكن الأحمر حادث من اختلاطهما فليس قوله أولى ممن يقول : إن الأحمر قديم وحصل الأبيض والأسود من تشديد وتخفيف فيه بل الأصوب أن يجعل الجميع أصلاً ومن التزم بذلك لزمه القول بكون الأقتم الواقع بين الأحمر والأسود والأصفر الواقع بين الأبيض والأحمر أيضاً قديمين وهكذا إلى غير النهاية فالأقرب عند الطبيعيين أن يجعل الأصل شيئاً واحداً كالماء على قول ثاليس والنار على قول هراقليطوس أو أموراً غير متناهية كذيمقراطيس وأما حصر المبدء في عدد معين كالاثنين على ما اختاره المانوية أو خمسة كما هو قول الحرنانيين فيحتاج إلى مؤونة كثيرة يعجزون عنه والبرهان العقلي على التوحيد مطلقاً على ما ذكره الحكماء والمتكلمون في كتبهم مشهور ولا حاجة إلى ذكره هنا . ( ش )