مولي محمد صالح المازندراني
113
شرح أصول الكافي
جبّاراً بعد إنشائه للكون ، فليس لكونه كيف ولا له أين ولا له حدٌّ ولا يعرف بشيء يشبهه ولا يهرم لطول البقاء ولا يصعق لشيء بل لخوفه تصعق الأشياء كلّها ، كان حيّاً بلا حياة حادثة ولا كون موصوف ولا كيف محدود ولا أين موقوف عليه ولا مكان جاور شيئاً بل حيٌّ يعرف وملك لم يزل له القدرة والملك أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئته ، ولا يُحدّ ولا يُبعّض ولا يفنى ، كان أوّلاً بلا كيف ويكون آخراً بلا أين وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه ، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين ، ويلك أيها السائل إنّ ربّي لا تغشاه الأوهام ولا تنزل به الشبهات ولا يحار [ من شيء ] ولا يجاوره شيء ( 1 ) ولا تنزل به الأحداث ولا يسأل عن شيء ولا يندم على شيء ولا تأخذه سنةٌ ولا نوم له ما في السّماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثّرى . * الشرح : ( محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن عليِّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير قال : جاء رجل إلى أبي جعفر ( عليه السلام ) فقال له أخبرني عن ربّك متى كان ) سأل عن أوَّل زمان وجوده ( فقال ويلك ) الويل كلمة تقال لمن وقع في مهلكة . وقيل : هو واد في جهنّم لو أرسلت فيه الجبال لذابت من حرِّه ( إنّما يقال لشيء لم يكن متى كان ) ضرورة أن حدوث الشيء مسبوق بعدمه ( إنَّ ربّي تبارك وتعالى كان ) في الأزل بلا ابتداء فلا يجوز أن يقال في حقّه متى كان ( ولم يزل حيّاً ) عطف على كان أو حال عن اسمه ، والحياة قيل : هي صفة توجب صحّة العلم والقدرة وقيل هي كون الشيء بحيث يصحُّ أن يعلم ويقدر ، وقال قطب المحقّقين في درَّة التاج هي عبارة عن إدراك الأشياء وهو تعالى شأنه لمّا كان عالماً بذاته وبمعلولاته كما هي على الوجه الأتمّ الأبلغ كان حيّاً وليست حياته أمراً زايداً على ذاته قايماً بها بل هي عين ذاته كالعلم وساير صفاته ، وقال صاحب العدَّة الحيّ هو الفعّال المدرك وهو حيّ ( 2 ) بنفسه
--> 1 - في بعض النسخ [ ولا يجاوزه شيء ] . 2 - « وهو حي بنفسه » الألفاظ الموضوعة لمان كلية مجردة إذا اعتيد مصاحبتها لأمور لا مدخلية لها في معناها وتبادرت إلى الأذهان مع تلك الأمور الزائدة ربما توهم منه أن تلك الأمور من أجزاء المعنى الموضوع بحيث إذا جرد منها كانت الألفاظ مستعملة في غير معناها مجازاً ، مثلاً الدار عندنا صحن غير مسقف حول بيوت لكن كونها مشتملة على صحن غير مسقف أمر زائد لا دخل له في مفهوم الدار وإنما ينصرف ذهننا إليه للعادة ولذلك إذا رأينا دور مكة شرفها الله أو بلاد أخر غير مشتملة على صحن غير مسقف وأطلق عليه لفظ الدار كان مستعملاً في معناه وليس مجازاً وكذلك الميزان يتبادر ذهننا منه إلى كفتين معلقتين بسيور وأرسان إلى طرفي خشبة أو حديد وليس ذلك داخلاً في معناه وإنما يتبادر منه للعادة وفيما نحن فيه أيضاً الحي يتبادر إلى الذهن منه جسم مركب من آلات مختلفة يتصل بعضها ببعض بالعروق والأعصاب وجريان الدم والروح العصبي والنفس وحركة النبض والحرارة الغريزية ولذلك اشترط المتكلمون في الحياة البنية الخاصة ولكن جميع تلك زائدة على أصل معنى الحياة وإنما المعتبر فيها أن لا يكون الموجود جماداً لا يعقل ولا يفعل باختيار فكل موجود عاقل فاعل مختار هو حي وإن لم يكن له جسم مادي كالجن والملك أو كان جسم بلا عروق ودم وتنفس كالفلك عند الحكماء والله تعالى حي بمعناه الحقيقي دون انضمام هذه الكيفيات والضمائم التي قد تفارق الموضوع فيصير جماداً بل حياته عين ذاته لا يتصور انفكاكها عن الذات ولذلك لما قال الإمام ( عليه السلام ) « لم يزل حياً » كان في معرض أن يتوهم السائل من الحياة تلك الأمور المصاحبة فاستدرك وقال : « بلا كيف » . ( ش )