مولي محمد صالح المازندراني

61

شرح أصول الكافي

حين * كما درس الرسوم من الرِّهام ( 1 ) وقيل : الحكيم هو الذي يطلب ما ينفعه ويترك ما يضرّه ويقرب منه ما قيل هو العدل الآخذ بالحقّ والصواب قولاً وعملاً ، وقيل : هو من لا يغضب على من عصى ولا يحقد على من جفا ، وقيل : هو من كان كلّ أفعاله صواباً ولا يدخل في اختياره خلل ولا فساد ، وقيل : ليس الحكيم الذي يجمع العلم الكثير لكنّ الحكيم الذي يعرف صواب ما لَه وما عليه ، وقيل : الحكماء للأخلاق كالأطباء للأجساد ، وقيل لعالم : مَن الحكيم ؟ قال : من تعلّق بثلاثة فيها علم الأوّلين والآخرين ، قيل : وما هي ؟ قال : تقديم الأمر ، واجتناب النهي ، واتّباع السنّة . وكيف تريد أن تدّعي حكيماً * وأنت لكلّ ما تهوى ركوب ؟ لعلّ العمر أكثره تولّى * وقد قرب الردى فمتى تتوب ؟ وروي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال : « العلم نهر والحكمة بحر والعلماء حول النهر يطوفون ، والحكماء في وسط البحر يغوصون ، والعارفون في سفن النجاة يخوضون » ( 2 ) ، ولكون الحكماء أعظم شأناً وأرفع مكاناً رغب في قبول العلم عنهم ، والأخذ منهم ، وأخّرهم للتنبيه على وجوب انتهاء سلسلة العلوم إليهم ، فانظر أيّها اللبيب إلى ما في هذا الحديث من شرف فضيلة العلم وكماله حيث بالغ أوّلاً بأنّ شيئاً من شدائد الدهر ونوائبه وجب أن لا يكون مانعاً من تحصيله ، وجعل ثانياً استخفاف العلماء وعدم الاقتداء بهم من أعظم الكبائر الموجب لأعظم مقت الله وسخطه ، وجعل ثالثاً ملازمتهم من أعظم القربات الموجب لأعلى درجات محبّته ، هدانا الله وإيّاك إلى مرضاته . * الأصل : 6 - عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمّد ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن حفص بن غياث ، قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « من تعلّم العلم وعمل به وعلّم لله دُعي في ملكوت السماوات عظيماً ، فقيل : تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله » .

--> 1 - الرهام : جمع الرهمة - بكسر الراء - ، وهي المطر الخفيف الدائم . 2 - اصطلح الناس على إطلاق الحكمة على الفلسفة ، وهي العلم بأحوال أعيان الموجودات بقدر الطاقة البشرية ، وحيث لا يمكن الإحاطة بجميع الموجودات فكلّ واحد أخذ بشيء من الحكمة ، ولذلك قالوا بقدر الطاقة البشرية ، ولا ريب أنّ الحكمة في القرآن والحديث ليست نبوّة إذ آتاها لقمان ولم يكن نبيّاً ، وليس المراد بها أيضاً أخذ أقوال جماعة خاصّة من اليونانيّين تقليداً من غير دليل بل الحكمة تحرّي الحقيقة بالعقل واتّباع الدليل واختيار الأصلح في القول والفعل و « الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها أخذها » كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولو كان في منافق فيجب أخذ الحقّ بالدليل أينما وجد في بابل أو في اليونان أو الهند أو غيرها ، وبالجملة : الحكمة تحرّي الحقيقة وإصلاح العمل وكلّ ما ذكر يرجع إلى هذا . ( ش )