مولي محمد صالح المازندراني
353
شرح أصول الكافي
واستقراره فيها فقد اهتدى ، ومن حرّكه نشاطه إلى البدعة وكانت فترته وسكونه إليها واستقراره فيها فقد غوى . الثاني : ما من أحد من المكلّفين إلاّ وله نشاط في الأعمال وغلبة عليها وقوّة لها كما في أيام الشباب وله ضعف وسكون كما في أيام الكهولة والشيخوخة ، فمن كانت فترته منتهية إلى السنّة بأن يقول ما فيها ويعمل به وتكون نيّته خالصة موافقة لها فقد اهتدى ومن كانت فترته منتهية إلى البدعة بأن يأمر بها ويعمل بها ويقصد إليها فقد غوى وهلك ، ففيه إخبار بأنّ الهداية والغواية إنّما تعتبران وتحقّقان في الخاتمة والتحريض على طلب حسن العاقبة والاجتناب عن سوء الخاتمة وكلام الأكابر مشحون بالترغيب فيهما . الثالث : أن يكون الشرّة إشارة إلى زمان التكليف والفترة إلى ما قبله لأنّ النفس قبل البلوغ إلى زمان التكليف أضعف منها بعده ولذلك يتوجّه إليها التكليف بعده لا قبله ، والمعنى من كانت فترته منتهية إلى السنّة واستعدّ للتمسّك بها عند البلوغ فقد اهتدى ومن كانت فترته منتهية إلى البدعة واستعدّ للتوجّه إليها فقد غوى ، ولعلّ هذه الوجوه أحسن ممّا قيل : المراد أنّ كلّ واحد من أفراد الناس له قوّة وسَورة في وقت كوقت الصحّة والسلامة واليقظة والحركة وله فترة وضعف في وقت كوقت المرض والنوم والدعة والسكون فمن كان فتوره إلى سنّة للنهوض إليها والعمل بمقتضاها فقد اهتدى ، ومن كانت فتوره وكلاله إلى بدعة أي استعدّ لطلبها وسعي في تحصيلها فقد غوى ، أو المراد من قوله : « فمن كانت فترته إلى سنّة » أنّ السنّة والعمل بها منشأ لفترته وضعفه ، يعني من كانت فترته وضعفه لأجل تحمّل المشاقّ الدينيّة والطاعات الشرعية فقد اهتدى ، ومن كانت فترته وضعفه لأجل البدعة وتحمّل مشاقّ الأحكام المبتدعة كنسك الجاهلين ورهبانيّة المتصوِّفين المبتدعين فقد غوى ( 1 ) .
--> 1 - إنّ في الإنسان قوّة يدرك بها المعاني الكلّية والاُمور العقلية وهي القوّة الناطقة التي يمتاز بها عن سائر الحيوانات وهذه القوّة تفيده في استخراج قواعد كلّية علمية متعلّقة بالدنيا كالهندسة والحساب والطب أو متعلّقة بالآخرة كمعرفة الله تعالى وكتبه ورسله والدار الآخرة والإنسان يتردّد بينهما ويضطرب شائقاً إلى تحقيق الحقّ فيما يتعلّق بالدين قصداً إلى إرضاء داعيته القلبية وشوقه إلى التطلّع على الحقائق وتحدث فيه شرهاً أي حركة واضطراباً فربّما يؤدّي فكره إلى التمسّك بالسنّة النبوية فيحصل له السكون واطمئنان القلب بأنّه الحقّ وهو الفترة أي زوال الاضطراب إلى الهداية وربّما يؤدّي فكره - نعوذ بالله - إلى الإلحاد والزندقة والبدعة والكفر وعدم المبالاة والفسق فيريح نفسه ويزول اضطرابه أيضاً وهو فترة مغوية ، وهذا الاضطراب والاطمئنان يحصل غالباً للإنسان بعد سنّ التكليف إلى نحو عشرين والشبان يظهر صلاحهم وفسادهم وهم أبناء عشرين غالباً . ( ش )