مولي محمد صالح المازندراني

244

شرح أصول الكافي

( فهو فتنة لمن افتتن به ) أي فهو مضلّ لمن اقتدى به لإخراجه عن قصد السبيل ، وهذا لازم لما قبله ; لأنّ محبّة قول الباطل والتكلّم به واللهج بالصوم والصلاة من غير علم سبب لكونه فتنة لمن تبعه ; لأنّه بذلك يسود قلب السامع ويصيّره كالأعمى المنقاد لدعوته والمنساق تحت رايته . ( ضالّ عن هدي من كان قبله ) الظاهر أنّ الهدى هذا بفتح الهاء أو كسرها وسكون الدالّ بمعنى السيرة والطريقة أي ضالّ عن سيرة أئمّة الدين وطريقة أصحاب اليقين الذين أخذوا المعارف الحقيقية والعلوم الدينية بإلهام إلهي وطريق نبوي وذلك لاغتراره بنفسه وإعجابه بجهالته واستغنائه بما اخترعه فهمه وما ابتدعه وهمه عن الرجوع إليهم والعكوف عليهم فلذلك ضلّ عن سيرتهم وبعد عن طريقتهم ويحتمل أن يكون بضمّ الهاء وفتح الدالّ . وهذا الوصف قريب من الوصف الثاني ، فإنّ الضالّ عن الهدى جائر عن قصد السبيل إلاّ أنّ هاهنا زيادة إذ الجائر عن القصد قد يجوز ويضلّ حيث لا هدى يتبعه والموصوف هنا جائر وضالّ مع وجود هدى قبله وهو مأمور باتّباعه ، أعني طريقة النبيّ والأئمّة ( عليهم السلام ) أو كتاب الله وسنّة رسوله والأعلام الحاملين لدينه وذلك أبلغ في لائمته وآكد في وجوب عقوبته . ( مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته ) من المستعدّين للضلالة المتّصفين بالسفاهة والجهالة ، وهذا الوصف مسبّب عمّا قبله ; إذ ضلال الإنسان في نفسه سبب لإضلال غيره ممّن اتّبعه ، وقريب من الخامس فإنّ كونه فتنة لمن افتتن به هو كونه مضلاًّ لمن اقتدى به كما أشرنا إليه إلاّ أنّ هاهنا زيادة ، وهو التصريح بكون ذلك الاضلال في حياته وبعد موته لبقاء البدعة والعقائد الفاسدة الناشئة منه فهي سبب لضلال المستعدّين للجور بعده . ( حمّال خطايا غيره ) جاء بصيغة المبالغة والتكثير للدلالة على أنّه كثيراً ما يحمل خطايا غيره لكثرة التابعين له ، وهذا الحمل وإن كان حاصلاً في الدنيا أيضاً إلاّ أنّ ظهوره وانكشافه في الآخرة لأنّ فيها تُحدُّ البصائر وتبدو السرائر وهذا الوصف مسبّب عمّا قبله ، فإنّ حمله أوزار من يضلّه إنّما هو لسبب إضلاله وإليه أشار سبحانه بقوله : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلّونهم ) ، وأشار الباقر ( عليه السلام ) بقوله : « من علّم باب ضلالة كان عليه مثل أوزار من عمل به ولا ينقص اُولئك من أوزارهم شيئاً » ( 1 ) . وفي هذا الخبر دلالة على أنّه ( عليه السلام ) لم يرد أنّ الله تعالى يوصل العذاب الذي يستحقّه الأتباع إلى المتبوع بل أراد أنّ الرئيس المضلّ عليه مثل أوزار التابعين ; لأنّ الحجب الطارئة على قلوب التابعين

--> 1 - تقدّم في باب ثواب العالم والمتعلّم .