مولي محمد صالح المازندراني
116
شرح أصول الكافي
خاتم الأنبياء ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنها عهد أخذه عليهم بخلافة سيّد الوصيّين . ( لأنّ العلم كان قبل الجهل ) تعليل لتقدّم أخذ العهد على العلماء ( 1 ) ببذل العلم على أخذ العهد على الجهّال بطلبه . قيل : فيه إشكال لأنّ كلّ واحد من أفراد الناس في أوّل الخلقة جاهل ثمّ يكتسب العلم ويصير عالماً أو لا يكتسبه فيبقى على جهله فكيف يكون العلم قبل الجهل ؟ أقول : لا دلالة فيه على أنّ العلم المتقدّم والجهل المتأخّر بالنسبة إلى محلّ واحد أو إلى شخص ، بل إنّما يدلّ على أنّ وجود حقيقة العلم قبل تحقّق حقيقة الجهل ( 2 ) فيجوز أن يراد بالعلم المتقدّم علم الواجب أو علم الروحانيّين أو علم نبيّنا ( صلى الله عليه وآله ) وعلم الأئمّة المعصومين ( عليهم السلام ) لأنّهم أنوار إلهيّة ولم تكن علومهم مسبوقة بجهل أصلاً ، وقد ثبت أنّهم كانوا معلّمي الملائكة في علم التوحيد وصفات الحقّ . وهذا القدر كاف في التعليل ، ولو فرض تحقّق تلك الدلالة فقوله : كلّ واحد من أفراد الإنسان في أوّل الخلقة جاهل ممنوع ، ولم يقم عليه برهان ، وما اشتهر بينهم من أنّ النفس في أوّل الفطرة خالية عن العلوم كلّها وقالوا : يظهر ذلك لذوي الحدس بملاحظة حال الطفل وتجارب أحواله فمدفوع بما ذكره ابن سينا من أنّ الطفل يتعلّق بالثدي حال التولّد بإلهام فطري ، ولو قالوا : المراد بمبدأ الفطرة حال تعلّق النفس بالبدن وهو سابق على تلك الحالة ورد عليهم : أنّه كيف تحصل التجربة بخلوِّ النفس عن العلم في حال تعلّقها بالبدن على أنّه لو تمّ فإنّما يدلّ على خلوّها عن العلم الحصولي دون الحضوري ؟ وقد صرّحوا أيضاً بذلك حيث قالوا : خلوّ النفس عن العلم بذاتها باطل ; إذ المجرّد لا يغفل عن
--> 1 - الفيض يتخطّى من الأشرف إلى الأخسّ ، ووسائط فيض الحقّ تعالى أعاظم الوجود وأفاضلهم ، فالتكليف والعهد يتوجّه إلى العالم قبل أن يتوجّه إلى الجاهل . ( ش ) 2 - العلم قبل الجهل في الجود كما أنّ الكامل قبل الناقص ، والفعل مقدّم على القوّة ، والصورة قبل الهيولى ، والناس مختلفون في هذه القاعدة ، فالماديّون والملاحدة وأصحاب الحسّ قائلون بأنّ الجوهر الموجود المستقلّ بذاته هو الجسم المادي ليس قبله شيء ومنه ابتداء الأشياء وبسبب تركيب العناصر حدثت الصور ، ومنه وجد الإنسان والعقل عارض حادث حال في الدماغ ، وحاصل تركيب خاصّ ومزاج فيه . والإلهيّون قائلون بخلاف ذلك وأنّ الجوهر المستقلّ الموجود أوّلاً هو العقل والأجسام معلولة له ومتفرّعة عليه ، والهيولى - أعني المادة - متعلّقة القوام بالصورة ، والصورة متعلّقة بموجود مجرّد عاقل يقيم الصورة مع الهيولى والمظهر في خلقة الإنسان وتركيب أعضائه والمصالح التي روعيت فيها يدلّ دلالة واضحة على أنّ موجودها موجود عاقل مقدّم على الدماغ ، فكيف يكون العقل مطلقاً فرعاً على الدماغ ؟ وما هذا إلاّ دور صريح ، فقوله ( عليه السلام ) : « العلم قبل الجهل » قريب المفاد من قولهم : « أوّل ما خلق الله العقل » . وبالجملة الماديون قائلون بانحصار الوجود في قوس الصعود وتدرّجه من الأخسّ إلى الأشرف ، والإلهيّون قائلون بقوس النزول والصعود معا وتدرّج الوجود من الأشرف إلى الأخسّ ثمّ رجوعه من الأخسّ إلى الأشرف . ( ش )