علي بن محمد التركه

585

شرح فصوص الحكم

من حيث الصورة ابن مريم بلا شكّ بل بالجمع بينهما ، فإنّهم به ستروا الله بصورة بشريّة عيسى . ثمّ إنّه لما بيّن أنهم جمعوا بين الخطأ والكفر في قولهم هذا ، وقد بيّن وجه كفرهم فيه ، شرع في تبيين خطأهم بقوله : ( فعدلوا بالتضمين ) - أي بسبب جعلهم الحقّ في ضمن المسيح حالَّا فيه - ( من الله - من حيث أحيا الموتى إلى الصورة الناسوتيّة البشريّة بقولهم : * ( ابْنُ مَرْيَمَ ) * فإنّك قد عرفت في مطلع الفصّ هذا أنّ محل الروح عندهم يسمّى بالناسوت . ( وهو ابن مريم بلا شكّ ) وإن ظهر من هذا أيضا كفرهم ، ولكن الغرض من هذا الكلام تبيين خطأهم . وذلك لأنّهم عبّروا عن تلك العقيدة بقوله : * ( إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) * بحمل هو هو . وذلك إنما يقتضي الاتّحاد بين المحكوم عليه وبه ، لا تضمينه له ( فتخيّل السامع ) من عبارتهم هذه ( أنّهم نسبوا الإلهيّة للصورة وجعلوها عين الصورة ) على ما هو مؤدّى مثل ذلك الكلام . أمّا نسبة الالوهيّة للصورة ، فبحمل المسيح بن مريم بهويّتها على الله بهو هو ، وأما جعلها عين الصورة فبوصفهم المحمول ذلك بالابن ، فحيث يخيّل السامع من كلامهم خلاف ما قصدوه من أصل عقيدتهم التي جبلوا عليها أوّلا ( وما فعلوا ) ذلك النسبة على وفق ما فهم السامع من كلامهم وطبق ما يخيّل من معتقدهم ( بل جعلوا الهويّة الإلهيّة ابتداء في صورة بشريّة - هي ابن مريم - ففصّلوا بين الصورة والحكم ) - وهو نسبة الإلهيّة - تفصيل الحالّ عن المحلّ ، ( لا أنّهم جعلوا الصورة عين الحكم ) على ما هو المفهوم من كلامهم ، والمقصود من خلقتهم ، وهو أنّ الصورة التشبيهيّة عين الحكم المعنويّ التنزيهيّ .