علي بن محمد التركه

تقديم 8

شرح فصوص الحكم

« وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ، ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوّى محلا إلا ويقبل روحا إليها ، عبّر عنه بالنفخ فيه ، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال ، . . . فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة . . . » . هذه هندسة كيان الوجود عند ابن عربي وأتباعه ، وفي ضوء ذلك استطاعوا الإجابة عن كثير من المسائل التي تعرض أمام كل إيدئولوجيّة تريد تبيين مسألة الكون ، مثل السؤال عن المبدء والمعاد والنبوّة والولاية والأسماء الإلهية والقضاء والقدر والاختيار الإنساني والدنيا والآخرة والجزاء والحساب والجنة والنار - وغيرها من المسائل . والاعتماد في جميع ذلك إما على الكشف الروحي أوّلا - حسب ادعائهم - ثمّ تأييده بالكتاب والسنّة والعقل ، أو بالعكس . وأبرز ممثّل لهذا المنهج هو متن هذا الشرح الذي بيد القارئ ، أعني كتاب فصوص الحكم حيث قال المؤلَّف في مقدمته « 1 » : « أما بعد - فإني رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في مبشّرة أريتها في العشر الآخر من محرّم - سنة سبع وعشرون وستمائة - بمحروسة دمشق ، وبيده صلَّى الله عليه وسلَّم كتاب ، فقال لي : « هذا كتاب فصوص الحكم ، خذه وأخرج به إلى الناس ينتفعون به » ، فقلت : « السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منّا كما أمرنا » ، فحقّقت الامنيّة وأخلصت النيّة ، وجرّدت القصد والهمّة إلى إبراز هذا الكتاب كما حدّه لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير زيادة ولا نقصان ، وسألت الله تعالى أن يجعلني في جميع أحوالي من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان . . . حتى أكون مترجما لا متحكَّما . . . فما القي إلا ما يلقى إليّ ، ولا انزل في هذا المسطور إلا ما ينزّل به عليّ ، ولست بنبيّ ولا رسول ، ولكني وارث ولآخرتي حارث . . . » .

--> « 1 » متن الكتاب : 57 - 49 .