علي بن محمد التركه

تقديم 44

شرح فصوص الحكم

ولكن ماذا يريد صائن الدين من علم الحروف ؟ فجوهر الكلام يرجع إلى ما هو معروف قديما وعليه اعتقاد جمع من العلماء : إنّ الوجود له أطوار وصور مختلفة ويتجلى في كل طور بوجه خاصّ هو لازم هذا الطور ، ولكن الأصل واحد واختلاف التجليات من اختلاف المرايا والنشآت فكلّ شيء له طور عينيّ - قد يعبّر عنه بالوجود الخارجي ، وله طور كلامي وطور كتبي وكلّ من هذه الثلاثة أطوار مختلفة لشيء واحد . وعلى ضوء هذا اعتقد جمع من المحقّقين أنّ دلالة الكلمات على المعاني ليست وضعيّة اعتباريّة ، بل هي ذاتيّة تكوينيّة . وأهم كتاب ألَّفه صائن الدين لتفصيل ما اعتقده في ذلك العلم كتاب « المفاحص » فيلزمنا مراجعة سريعة إلى هذا الكتاب للاطلاع على جوهر فكره واعتقاده في هذا المجال - إذ فهم قسم كبير من شرحه على الفصوص مبتنية على هذه المطالب - . قال « 1 » : « اعلم أنّ موضوع العلم الأعلى - المسمّى بالحكمة المطلقة والفلسفة الأولى عند المتأخّرين هو الوجود المطلق بما هو موجود ، وذلك لأنّه ليس عندهم من المعاني المتعاورة لديهم ما يجمع شتات المقولات جمعه فإنّ الأعيان المبحوث عنها في الحكمة بعضها جواهر وبعضها كميّات وبعضها مقولات أخرى وليس يمكن أن يعمّها معنى محقّق إلا حقيقة معنى الوجود ، فهو الذي يصلح لأن يوضع لمعاقد تلك الأبحاث موضوعا مشتركا ، يكون هي كلها حالاته وعوارضه وبيّن أنّ الوجود وإن كان له ضرب من العموم والإحاطة ، ولكن ليس مما يحيط بمقابله إحاطة جمعيّة وشمول ، بحيث يتساوى في ميزان جمعيّته كفّتا المتقابلين اللذين تحته فإنّه لا يصدق على المعدومات والممتنعات صدقه على الموجودات وله انحراف عن استقامة طريق الجمعيّة واعوجاج عن قويم سننها فلا يصلح لموضوعيّة الحكمة المطلقة - التي قد جرّدنا في كتابنا هذا البحث عنها - صلوح ما له تلك الاستقامة وذلك هو الحرف بإطلاقه فإنّه هو الذي قد أحاط بسائر

--> « 1 » المفاحص : مخطوط م 55 .