علي بن محمد التركه
تقديم 43
شرح فصوص الحكم
ولكنه في شرح الفصوص مشى مشيا آخر - وهذا سيرته في عموم كتبه ورسائله إلا النادر منها - فمال إلى تبيين المطالب من طريق استنطاق الحروف وادعاء أنّ هذه الطريقة هي الغاية القصوى والوسيلة العظمى لفهم حقائق القرآن ومسائل الكيان . وكان هذا السياق من التفكير مشتهرا في زمانه ونشأت فرق - اشتهروا بالحروفيّة والنقطويّة - لهم عقائد في الحروف ومعناها وكونها رمزا مشيرا إلى عوالم الوجود ولكن ليس صائن الدين في عداد هذه الفرق الذين لهم عقائد إلحاديّة ولرؤسائهم ادّعاءات - مثل المهدويّة أو أكبر منها - علما أنّه لا يمكن نفي تأثير هذه الفرق في البيئة الموجودة في زمانهم وتأثّرهم منها في الجملة . ثم انّ هذا النوع من التفكير لم يكن مبتدع عصره ، بل له سابقة تاريخيّة بين المسلمين ترجع إلى القرن الثاني على أنّ ابن عربي نفسه من الذين لهم أثر كبير في انتشار هذه المسائل ، كما أنّ كتبه مشحونة بذكرها وتفصيلها ، وله رسائل مستقلة معنونة بالعناوين الحروفيّة « 1 » . ولو ذهبنا نطابق بين ما جاء في كتب صائن الدين وكتب ابن عربي فلعلنا لا نصادف شيئا عنده ليس مثله أو أصله في كتب ابن عربي ، وإن كان صاين الدين أكثر إلماما واعتناء به من ابن عربي . وكثيرا ما يشير صائن الدين إلى أستاذه في هذا العلم ويعظَّمه ويبجّله من غير أن يسمّيه ، ويعبّر عنه ب « سيّدى سلام الله عليه وعلى آبائه » ونظرا إلى ما نعلم أنّه لاقى السيد حسين الأخلاطي واستفاد منه ، فأكثر الظنّ أنّ الإشارة إليه .
--> « 1 » الباب الثاني من الفتوحات المكية - في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم ، وما لها من الأسماء الحسنى ومعرفة الكلمات ومعرفة العلم والعالم والمعلوم - باب مفصل اختصّ الفصل الأول والثاني منه بالحروف وأقسام مباحثها : 1 / 51 - 91 . على أن لابن عربي رسائل مفردة تعني بشأن الحروف وتفسيرها ، مثل كتاب الألف ، وكتاب الميم والواو والنون ، وكتاب الياء ، وغيرها . وقلَّما يوجد له كتاب أو رسالة خلت من الاعتناء بالحروف والكلام في شأنها . وقال في الفتوحات ( 1 / 60 ) : « ولنا في علم العدد من طريق الكشف أسرار عجيبة من طريق ما يقتضيه طبعه ومن طريق ما له من الحقائق الإلهيّة وإن طال بنا العمر فسأفرد لمعرفة العدد كتابا إن شاء اللَّه » .