محمد داوود قيصري رومي

527

شرح فصوص الحكم

في الذات ، وجعلها موصوفة بكل الكمالات بخلاف ( المقتصد ) ، فإنه متوسط في السلوك ، غير واصل إلى مقام الفناء في الذات بل واقف في الفناء في الصفات ، وبخلاف ( السابق في الخيرات ) ، لأنه في مقام الأفعال الخيرية والتحلية بالأعمال الزكية ، كالعباد والزهاد والمتقين من الأعمال الموجبة للبعد والطرد . ولا شك أن هؤلاء الطوائف الثلاث كلهم من أهل الجنة وكلهم من المصطفين الأخيار . فذكره بالظلم إثبات لمرتبة عظيمة ، لا ذم في حقه . ( ( إلا ضلالا ) إلا حيرة ) . ( إلا ضلالا ) تتمة لقوله : ( ولا تزد الظالمين ) . وفسره بالحيرة الحاصلة من العلم لا الجهل . ( المحمدي : ( زدني فيك تحيرا ) . ) أي ، كما قال الناطق المحمدي : ( رب زدني فيك تحيرا ) . أي ، رب زدني فيك علما ، فإني كلما أزداد فيك علما ، أزداد فيك حيرة من كثرة علمي بالوجوه والنسب التي لذاتك . وإنما قال : ( المحمدي ) ، بياء النسبة ، ليشمل الأولياء التابعين لمحمد ، صلى الله عليه وسلم . وقلبه الناطق بقوله : ( رب زدني فيك تحيرا ) . فإن للوارثين منه مقام الحيرة ، لا يزالون يطلبون الزيادة منها ، لالتذاذهم بها وبلوازمها وملزوماتها المعطية إياها . ( ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) . ) أي ، قد جاء في حق قوم موسى : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه ) . أي ، كلما ورد لهم التجلي الإلهي الذي هو سبب إضاءة أرواحهم وقواهم الروحانية ، سلكوا في المقامات وعرجوا إلى عالم القدس ، وإذا انقطع عنهم ذلك التجلي النوري وأظلم عليهم ، قاموا ، أي ، وقفوا حيارى لظهور التجلي الظلماني عليهم وهو معد لاستعداداتهم لقبول التجليات النورية مرة أخرى ، بحيث لا يشعر المتجلى فيه به إلا عند زوال ذلك التجلي . وقد خلق الله الليل والنهار آيتين لهذين النورين ، قال الله تعالى : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) . فكان نوح ، عليه السلام ، أول من طلب هذا المقام لأمته ، وحصل هذا المقام بكماله لهذه الأمة . ( فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه ) . أي ، الحائر