محمد داوود قيصري رومي

421

شرح فصوص الحكم

كمالا يصح الحمد المطلق إلا فيه . وذلك لأن السؤال بلسان الحال والاستعداد يقيد المسؤول بما يقتضى ذلك الحال المخصوص والاستعداد المعين ، وهكذا الحمد بلسان الحال مقيد بذلك الحال المعين ، وهو الباعث للإنسان بأن يتقيد ويحمد الحق باسم فعل ك‍ ( المعطى ) و ( الرزاق ) و ( الوهاب ) ، أو باسم صفة تنزيهية ك‍ ( القدوس ) و ( الغنى ) و ( الصمد ) ، أو باسم صفة إضافية ك‍ ( العليم ) و ( الحكيم ) و ( القادر ) ، وهكذا بلسان الاستعدادات الجزئية أيضا ، ليقيدها بأزمنة معينة . واعلم ، أن حقيقة ( الحمد ) ، من حيث هي هي ، لا لسان لها ولا حكم ، ومن حيث إطلاقها وعمومها ، يكون محمودة الوجود من حيث انبساطه على الأكوان . ولسانها قولنا : ( الحمد لله على كل حال ) . ومن حيث تقيدها بحال من الأحوال ، يكون المحمود أيضا مقيد باسم فعل أو صفة أو تنزيه . والسؤال أيضا كذلك . ( والاستعداد من العبد لا يشعر به صاحبه ، ويشعر بالحال ، لأنه يعلم الباعث وهو الحال . فالاستعداد أخفى سؤال ) . أي ، صاحب الاستعداد لا يشعر باستعداده الجزئي المقتضى لفيضان معنى جزئي عليه لخفائه ، فإن الاطلاع عليه إنما هو من شأن الكمل ، لا من المبتدين في السلوك ، ولا من شأن أرباب الأحوال الذين هم المتوسطون فيه . وصاحب الحال يشعر بحاله ويعلم أن الباعث على السؤال هو الحال ، ومنه يستدل على استعداده ، فإذا كان الاستعداد أمرا خفيا ، فسؤاله أيضا خفى مثله . وقد يكون الحال مشعورا به لغير صاحبه إذا كان من الأحوال الظاهرة ، كشعور الغنى بفقر الفقير المحتاج . ولا يمكن الشعور للاستعدادات إلا للكمل والأفراد المطلعين بالأعيان الثابتة في علم الحق تعالى . ( وإنما يمنع هؤلاء من السؤال علمهم بأن لله فيهم سابقة قضاء ، فهم قد هيئوا محلهم لقبول ما يرد منه وقد غابوا عن نفوسهم وأغراضهم ) أي ، لما علموا هؤلاء أن لله في حقهم حكما في القضاء السابق على وجودهم ، ولا بد أن يصل إليهم من الخير والشر والكمال والنقصان وكل ما قدر لهم في الأزل ، استراحوا من الطلب ،