علي بن يونس العاملي النباطي البياضي
111
الصراط المستقيم
منها : حشو المدينة من المنافقين الذين يعضون الأنامل من الغيظ ، وينتهزون الفرصة وقد وثبوا وتهيؤا للفتنة ، ووافق ذلك ارتداد العرب ومن حولهم ، وقد قال عليه السلام لابن دودان : لما تعجب من تقدمهم عليه كانت أثرة سخت عنها نفوس قوم وشحت عليها نفوس آخرين ، فإن ترتفع عنا محن البلوى نحملهم من الحق على محصنه وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، ولا تأس على القوم الفاسقين . وقال عليه السلام للخوارج لما قالوا : كان وصيا فضيع الوصية : أنتم كفرتم وأزلتم الأمر عني وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم لغنائم عن ذلك بنص الأنبياء عليهم ، وقد نصبني النبي صلى الله عليه وآله علما ، وقال : أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي . وقد روى الشعبي عن شريح بن هاني قول علي : إن عندي من نبي الله عهدا ليس لي أن أخالفه ، ولو خزموا أنفي ، فلما بويع لأبي بكر مسكت يدي فلما ارتد قوم خشيت ثلمة الاسلام ، فبايعت لئلا يبيد الاسلام ، ورأيت ذلك أعظم من فوت ولاية أيام قلائل . وقد روى البلاذري وهو من أكبر ثقاتهم أن عليا قال لعمر : احلب حلبا لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا . وروى إبراهيم بطريقين أن عليا قال لبريدة ولجماعة أخر أبوا البيعة : بايعوا إن هؤلاء خيروني أن يأخذوا ما ليس لهم ، أو أقاتلهم وأفرق أمر المسلمين ويرتد الناس . إن قالوا : هذه ونحوها أخبار آحاد قلنا : اتفقت معنا فتواترت فيه . وبهذا يبطل ما قالوا : إنه كان يعلم بوقت وفاته ، فلا معنى لتقيته مع فرط شجاعته ، ففي سكوته إما بطلان عصمته ، أو اعتقاده في ذلك الوقت عدم خلافته . قلنا : لا يختص الخوف بنفسه ، بل على ذريته وأهل ولايته ، وذهاب دين نبيه ، مع أنه وإن علم بسلامته لم يأمن من جروح بدنه ، وتطويل ألمه وشينه ، ومن أثره الذي يلحقه من المذلة به ، ما يوفي على قتله ، على أن ما أعلمه النبي من بقائه كان متعلقا بعلمه بكفه عن القوم ، ومداراته على أنه معارض بكف النبي