السيد محمد الكثيري

141

السلفية بين أهل السنة والإمامية

كلامه يناقض الوارد وأن كان قصده صحيحا ، لأنه يريد المعنى القديم الذي هو صفة الحق سبحانه وهي قديمة كما أن من قال : مخلوق ومحدث يريد الأصوات والحروف ، وعلى كل حال من كان حر الضمير واللسان يقف باهتا كيف وقد هذا الخلاف ، وسفكت لأجله دماء . واستبيحت أعراض في لا شئ ما ذاك إلا أنها مسائل سياسية طليت بطلاء الدين تمويها على المغفلين ( 59 ) . وإذا علمنا أن سيرة أحمد الخاصة في ملبسه ومأكله ، كانت دون الشك سيرة رجل زاهد متقشف يتورع عن قبول جوائز الخليفة المتوكل ولا يقبلها بحال ، وينهى أهله عن أخذ شئ منها . إذا علمنا ذلك ، فلا شك أن حلقات الريادة تكون قد اكتملت في شخصه ، وفي الواقع الموضوعي المحيط به ، ومن ثم كان أحمد بن حنبل وكان تلامذته وأتباعه فلم يبق إلا أن يظهر لهذا المحدث مذهب في الفقه والأصول ، صنع بعد وفاته من مواد فتاويه وآرائه وأقواله التي صحت عنه أو نسبت إليه . قلنا إن أحمد بن حنبل لم يكن في زمانه وقبل المحنة متفردا عن باقي أقرانه خصوصا في علم الحديث وروايته ، بل كان في زمانه من كبار المحدثين وعلماء الحديث من كانوا شيوخا له ، ويعترف لهم هو بالمكانة العلمية والسبق العلمي . وقد قيل لأبي داود : أحمد أعلم أم علي بن المديني ؟ قال علي أعلم باختلاف الحديث من أحمد وقال أحمد بن حامد ، سمعت رجاء بن جابر المرجي يقول : رأيت ابن حنبل وإسحاق ، وابن المديني والشاذكوني ، فما رأيت الحفظ من عبد الله يعني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي المتوفى سنة 250 ه‍ ، والذي كان يسميه أحمد بالسيد . وقال فيه ابن أبي حاتم إنه إمام أهل زمانه ( 60 ) .

--> ( 59 ) الفكر السامي ، ج 2 ص 20 ، 21 . ( 60 ) تاريخ بغداد ، ج 10 ص 31 .