عبد الرحمن السهيلي

57

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

* على هنواتٍ شأنها متتابع * وفي البخاري : أن رجلاً قال لابن الأكوع : ألا تنزل فتسمعنا من هنيهاتك ، صغره بالهاء ، ولو صغره على لغة من قال : هنوات ، لقال : هنياتك ، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن يحدو بهم ، والإبل تستحث بالحداء ، ولا يكون الحداء إلا بشعر أو رجز ، وقد ذكرنا أول من سن حداء الإبل ، وهو مضر بن نزار ، والرجز شعر ، وإن لم يكن قريضاً ، وقد قيل : ليس بشعر ، وإنما هي أشطار أبيات ، وإنما الرجز الذي هو شعر سداسي الأجزاء ، نحو مقصورة ابن دريد أو رباعي الأجزاء نحو قول الشاعر : يا مر يا خير أخٍ * نازعت درّ الحلمه واحتج من قال في مشطور الرجز أنه ليس بشعر أنه قد جرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يجري على لسانه الشعر ، وقد روي أنه أنشد هذا الرجز الذي قاله ابن الأكوع في هذا الحديث ، وقال أيضاً إما متمثلاً وإما منشئاً : هل أنت إلاّ إصبعٌ دميت * وفي سبيل اللّه ما لقيت وفي هذا الرجز من غير رواية ابن إسحاق مما وقع في البخاري وغيره : * فاغفر فداء لك ما أبقينا * ويروى ما اقتفينا أي : ما تتبعنا من الخطايا ، من قفوت الأثر ، واقتفيته . وفي التنزيل : « ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْمٌ » الإسراء ، وأما قوله : ما أبقينا ، أي : ما خلفنا مما اكتسبنا ، أو يكون معناه : ما أبقينا من الذنوب ، فلم نحقق التوبة منه كما ينبغي . وقوله : فداءً لك قد قيل : إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي : اغفر لنا تقصيرنا في حقك وطاعتك ، إذ لا يتصور أن يقال لله تبارك وتعالى مثل هذا الكلام ، وذلك أن معنى قولهم : فداءً لك أي : فداءً لك أنفسنا وأهلونا ، وحذف الاسم المبتدأ لكثرة دوره في الكلام مع العلم به ، وإنما يفدي الإنسان بنفسه من يجوز عليه الفناء . استعمال الكلمة في غير موضعها وأقرب ما قيل فيه من الأقوال إلى الصواب أنها كلمة يترجم بها عن محبة وتعظيم ، فجاز أن يخاطب بها من لا يجوز في حقه الفداء ، ولا يجوز عليه الفناء قصداً لإظهار المحبة والتعظيم له ، وإن كان أصل الكلمة ما ذكرنا ، فرب كلمة ترك أصلها ، واستعملت في غير ما وضعت له أول ، كما جاءوا بلفظ القسم في غير موضع القسم ، إذا أرادوا تعجباً واستعظاماً لأمر ، كقوله عليه السلام في حديث الأعرابي من رواية إسماعيل بن جعفر : أفلح وأبيه إن صدق ، ومحال أن يقصد صلى الله عليه وسلم القسم بغير الله تبارك وتعالى ، لا سيما برجل مات على الكفر ، وإنما هو تعجب من قول الأعرابي ، والمتعجب منه هو مستعظم ، ولفظ القسم في أصل وضعه لما يعظم ، فاتسع في اللفظ حتى قيل : على الوجه . وقال الشاعر : فإن تك ليلى استودعتني أمانة * فلا وأبي أعدائها لا أخونها لم يرد أن يقسم بأبي أعدائها ، ولكنه ضرب من التعجب ، وقد ذهب أكثر شراح الحديث إلى النسخ في قوله : أفلح وأبيه ، قالوا : نسخه قوله عليه السلام : لا تحلفوا بآبائكم ، وهذا قول لا يصح ، لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف قبل النسخ بغير الله ، ويقسم بقوم كفار ، وما أبعد هذا من شيمته صلى الله عليه وسلم تالله ما فعل هذا قط ، ولا كان له بخلق . وقال قوم : رواية إسماعيل بن جعفر مصحفه ، وإنما هو أفلح والله إن صدق . وهذا أيضاً منكر من القول ، واعتراض على الإثبات العدول فيما حفظوا ، وقد خرج مسلم في كتاب الزكاة قوله