عبد الرحمن السهيلي

58

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

عليه السلام لرجل سأله : أي الصدقة أفضل ؟ فقال : وأبيك لأنبئك أو قال : لأخبرنك ، وذكر الحديث ، وخرج في كتاب البر والصلة قوله لرجل سأله : من أحق الناس بأن أبره ، أو قال : أصله ؟ فقال : وأبيك لأنبئك ، صل أمك ، ثم أباك ثم أدناك فأدناك ، فقال في هذه الأحاديث كما ترى وأبيك ، فلم يأت إسماعيل بن جعفر إذاً في روايته بشيء أمر ، ولا بقول بدع ، وقد حمل عليه في روايته رجل من علماء بلادنا وعظماء محدثيها ، وغفل عفا الله عنه عن الحديثين اللذين تقدم ذكرهما ، وقد خرجهما مسلم بن الحجاج . وفي تراجم أبي داود في كتاب الإيمان في مصنفه ما يدل على أنه كان يذهب إلى قول من قال بالنسخ ، وأن القسم بالآباء كان جائزاً ، والذي ذكرنا ليس من باب الحلف بالآباء كما قدمنا ، ولا قال في الحديث : وأبي ، وإنما قال : وأبيه ، أو وأبيك بالإضافة إلى ضمير المخاطب أو الغائب ، وبهذا الشرط يخرج عن معنى الحلف إلى معنى التعجب الذي ذكرناه . الإسناد عن عطاء بن أبي مروان وذكر ابن إسحاق حديثه عليه السلام حين أشرف على خيبر ، وقال : في إسناده عن عطاء بن أبي مروا ، وهذا هو الصحيح في هذا الإسناد ، لأن عطاء بن أبي مروان الأسلمي معروف في أهل المدينة يكنى أبا مصعب ، قاله البخاري في التاريخ ، وبعض من يروي السيرة يقول في هذا الإسناد عن عطاء بن أبي رباح ، عن مروان الأسلمي والصحيح ما قدمناه . المكاتل فصل : وذكر حديث أنس حين استقبلتهم عمال خيبر بمساحيهم ومكاتلهم المكاتل : جمع مكتل وهي القفة العظيمة ، سميت بذلك لتكتل الشيء فيها ، وهو تلاصق بعضه ببعض ، والكتلة ومن التمر ونحوه فصيحة ، وإن ابتذلتها العامة . خربت خيبر وقول النبي صلى الله عليه وسلم حين رآهم : الله أكبر خربت خيبر . فيه إباحة التفاؤل وقوة لمن استجاز الرجز ، وقد قدمنا في ذلك قولاً مقنعاً ، وذلك أنه رأى المساحي والمكاتل وهي من آلة الهدم ، والحفر مع أن لفظ المسحاة من سحوت الأرض إذ قشرتها ، فدل ذلك على خراب البلدة التي أشرف عليها ، وفي غير رواية ابن هشام قال : حين ذكر المساحي : كانوا يؤتون الماء إلى زرعهم معناه : يسوقون . والأتي هي الصافية . الخميس وقول اليهود : محمد والخميس ، سمي الجيش العظيم خميساً ، لأن له ساقةً ومقدمة ، وجناحين وقلباً ، لا من أجل تخميس الغنيمة ، فإن الخمس من سنة الإسلام ، وقد كان الجيش يسمى خميساً في الجاهلية ، وقد ذكرنا الشاهد على ذلك فيما تقدم . تدني الحصون وقوله : يتدنى الحصون ، أي : يأخذ الأدنى فالأدنى . حكم أكل لحوم الحمر الأهلية والخيل : وذكر نهيه عليه السلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، وحديث جابر أنه نهى عليه السلام يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، وأرخص لهم في لحوم الخيل ، أما الحمر الأهلية فمجتمع على تحريمها إلا شيئاً يروى عن ابن عباس وعائشة ، وطائفة من التابعين . وحجة من أباحها قوله تعالى : « قُل لا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّماً على طَاعِم » الأنعام الآية وهي مكية ، وحديث النهي عن الحمر كان بخيبر فهو المبين للآية ، والناسخ للإباحة ، ومن حجتهم أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم لرجل استفتاه في أكل الحمار الأهلي ، يقال في اسمه : غالب بن أبحر المزني : أطعم أهلك من سمين مالك ، وهو حديث ضعيف لا يعارض بمثله حديث النهي مع أنه محتمل لتأويلين ، أحدهما : أن يكون الرجل ممن أصابته مسغبة شديدة ، فأرخص له فيه ، أو يكون ذلك منسوخاً بالتحريم ، على أن بعض رواة الحديث زاد فيه بياناً ، وهو قوله عليه السلام للرجل : إنما نهيت عن حوالي القرية أو جوالي القرية على اختلاف في الرواية ، وأما حديث جابر في إباحة الخيل ، فصحيح ويعضده حديث أسماء أنها قالت : ضحينا على عهد رسول الله صلى الله