عبد الرحمن السهيلي
36
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
النساء . وقالت طائفة : إنما استجاز النبي صلى الله عليه وسلم رد المسلمين إليهم في هذا الصلح لقوله عليه السلام : لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها الحرم إلا أجبتهم إليها ، وفي رد المسلم إلى مكة عمارة البيت ، وزيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام والطواف بالبيت ، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى ، فعلى هذا القول يكون كماً مخصوصاً بمكة ، وبالنبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون غير جائز لمن بعده كما قال العراقيون . حكم المهاجرات : فصل : وذكر قول الله سبحانه : « إذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ » الممتحنة . هذا عند أهل العلم مخصوص بنساء أهل العهد والصلح ، وكان الامتحان أن يستخلف المرأة المهاجرة أنها ما خرجت ناشزاً ولا هاجرت إلا لله ولرسوله ، فإذا حلفت لم ترد ورد صداقها إلى بعلها ، وإن كانت من غير أهل العهد لم تستحلف ، ولم يرد صداقها . وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم محا اسمه ، وهو رسول الله ، وكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، لأنه قول حق كله ، وظن بعض الناس أنه كتب بيده ، وفي البخاري أنه كتب ، وهو لا يحسن الكتابة ، فتوهم أن الله تعالى أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصةً ، وقال : هي آية ، فيقال له : كانت تكون آيةً لولا أنها مناقضة لآية أخرى ، وهو كونه أمياً لا يكتب ، وبكونه أمياً في أمة أمية قامت الحجة ، وأفحم الجاحد ، وانحسمت الشبهة ، فكيف يطلق الله يده ، لتكون آيةً ؟ وإنما الآية أن لا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً ، وإنما معنى : كتب أي : أمر أن يكتب . وكان الكاتب في ذلك اليوم علي بن أبي طالب ، وقد كتب له عدة من أصحابه ، منهم عبد الله بن الأرقم ، وخالد بن سعيد ، وأخوه أبان ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول ، وأبي بن كعب القاري ، وقد كتب له أيضاً في بعض الأوقات أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، وكتب له كثيراً معاوية بن أبي سفيان بعد عام الفتح ، وكتب له أيضاً الزبير بن العوام ، ومعيقيب بن أبي فاطمة ، والمغيرة بن شعبة ، وشرحبيل ابن حسنة ، وخالد بن الوليد ، وعمرو بن العاصي ، وجهيم بن الصلت ، وعبد الله بن رواحة ، ومحمد بن مسلمة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وحنظلة الأسيدي ، وهو حنظلة بن الربيع ، وفيه يقول الشاعر بعد موته : إن سواد العين أودى به * حزنُ على حنظلة الكاتب والعلاء بن الحضرمي ، ذكرهم عمر بن شبة في كتاب الكتاب له . باسمك اللهم : وأما قول سهيل بن عمرو له : ولكن اكتب : باسمك اللهم ، فإنها كلمة كانت قريش تقولها ولقولهم لها سبب قد ذكرناه في كتاب التعريف والإعلام ، وأول من قالها أمية بن أبي الصلت ، ومنه تعلموها وتعلمها هو من رجل من الجن في خبر طويل ذكره المسعودي وهو الخبر الذي لخصناه في الكتاب المذكور . عيبة مكفوفة : فصل : وذكر في الكتاب : وإن بيننا وبينكم عيبةً مكفوفةً أي : صدور منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة ، وضرب العيبة مثلاً ، وقال الشاعر : وكادت عياب الودّ منّا ومنهم * وإن قيل أبناء العمومة تصفر وقال صلى الله عليه وسلم : الأنصار كرشي وعيبتي فضرب العيبة مثلاً لموضع السر ، وما يعتد به من ودهم . والكرش وعاء يصنع من كرش البعير ، يجعل فيه ما يطبخ من اللحم ، يقال : ما وجدت لهذه البضعة فاكرش ، أي : إن الكرش قد امتلأ ، فلم يسعها فمه . ويضرب أيضاً هذا مثلاً ، كما قال الحجاج : ما وجدت إلى دم فلان فاكرش . وقوله : ولا إغلال ، هي الخيانة ، يقال : فلان مغل الأصبع ، أي : خائن اليد . قال الشاعر : حدّثت نفسك بالوفاء ، ولم تكن * بالغدر خائنة مثل الأُصبع والإسلال : السرقة ، والخلسة ونحوها ، وهي السلة . قالوا في المثل : الخلة تدعو إلى السنة .