عبد الرحمن السهيلي
37
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أبو جندل : فصل : وذكر خروج أبي جندل يرسف في الحديد . أبو جندل ، هو العاصي بن سهيل ، وأما أخوه عبد الله بن سهيل ، فكان قد فر يوم بدر إلى المسلمين ، فلحق بهم ، وشهد بدراً ، والمشاهد كلها ، وقتل يوم اليمامة شهيداً ، وأما أبو جندل ، فاستشهد مع أبيه بالشام في خلافة عمر ، وهو الذي شرب الخمر متأولاً لقوله تبارك وتعالى : « ليس على الذين آمنوا وعَمِلُوا الصالحاتِ جُنَاحٌ فيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمنوا وعَمِلوا الصَالحاتِ ثم اتَّقَوْا وآمنوا ثم اتَّقَوْا وأحسنوا والله يُحِبُّ المحسنين » المائدة فجلده أبو عبيدة بأمر عمر وجلد صاحبه ، وهو ضرار ، ثم إن أبا جندل أشفق من الذنب حتى قال : لقد هلكت ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه ، فكتب إليه : إن الذي زين لك الخطيئة هو الذي حظر عليك التوبة : « بسْم اللَّهِ الرَّحْمن الرَّحيم حمَ تنزيلُ الكتابِ من اللّه العزيزِ العليم غافرِ الذَّنْبِ وقابل التَّوْبِ » غافر الآية . وكان شربها معه ضرار بن الخطاب ، وأبو الأزور ، فلما أمر عمر أن يجلدوا ، قالوا : دعنا نلقى العدو ، فإن قتلنا فذاك ، وإلا حددتمونا ، فقتل أبو الأزور ، وحد الآخران . رفض عمر للدنية : فصل : وذكر قول عمر رضي الله عنه فعلام نعطى الدنية في ديننا ، هي فعيلة من الدناءة ، وأصلها الهمز ، وفي غير رواية ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : إني عبد الله ولست أعصيه ، وهو ناصري ، وأن أتى أبا بكر رضي الله عنه فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجاوبه أبو بكر بمثل ما جاوبه به النبي صلى الله عليه وسلم حرفاً بحرف ، ثم قال له : يا عمر الزم غرزه ، فإني أشهد أنه رسول الله ، قال عمر : وما شككت منذ أسلمت إلا تلك الساعة ، وفي هذا أن المؤمن قد يشك ، ثم يجدد النظر في دلائل الحق فيذهب شكه ، وقد روي عن ابن عباس أنه قال : هو شيء لا يسلم منه أحد ، ثم ذكر ابن عباس قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم : « ولكن لِيَطْمَئِنَّ قلبي » البقرة ولولا الخروج عما صمدنا إليه في هذا الكتاب لذكرنا ما للعلماء في قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم : « ولكن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي » ، وذكرنا النكتة العظمى في ذلك ، ولعلنا أن نلقى لها موضعاً ، فنذكرها . والشك الذي ذكره عمر وابن عباس ما لا يصر عليه صاحبه ، وإنما هو من باب الوسوسة التي قال فيها عليه السلام مخبراً عن إبليس : الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة . موقف أم سلمة - وفي غير رواية ابن إسحاق من الصحيح أنه عليه السلام دخل على أم سلمة ، وشكا إليها ما لقي من الناس حين أمرهم أن يحلقوا وينحروا ، فلم يفعلوا لما بهم من الغيظ ، فقالت : يا رسول الله اخرج إليهم ، فلا تكلمهم ، حتى تحلق وتنحر ، فإنهم إذا رأوك قد فعلت ذلك ، لم يخالفوك . ففعل صلى الله عليه وسلم ، وفعل الناس ، وكان الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم خراش بن أمية بن ربيعة بن الفضل بن منقذ بن عفيف بن كليب بن حبشية ابن سلول الخزاعي ثم الكلبي وهو الذي كان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ إلى مكة فعقروا جمله ، وأرادوا قتله ، فحينئذ بعث إليهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ففي تركهم للبدار دليل على أن الأمر ليس على الفور ، كما ذهب إليه بعض الأصوليين ، وفيه أنهم حملوا الأمر على غير الوجوب لقرينة ، وهي أنهم رأوه لم يحلق ولم ينحر ، ولم يقصر ، فلما رأوه قد فعل اعتقدوا وجوب الأمر وامتثلوه . وفيه أيضاً إباحة مشاورة النساء ، وذلك أن النهي عن مشاورتهن إنما هو عندهم في أمر الولاية خاصةً ، كذلك قال أبو جعفر النحاس في شرح هذا الحديث . المقصرون فصل : وذكر ابن إسحاق استغفار النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرةً واحدةً . ولم يكن المقصر يومئذ من أصحابه إلا رجلين ، أحدهما عثمان بن عفان ، والآخر أبو قتادة الأنصاري ، كذلك جاء في مسند حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . حديث أبو بصير : وذكر حديث أبي بصير واختلف في اسمه ، فقيل : عبيد بن أسيد بن جارية ، وقيل : عتبة . وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم له حين قتل أحد الرجلين : ويل أمه محش حرب . وفي الصحيح : ويل أمه مسعر حرب ، يقال : حششت النار ، وأرثتها ، وأذكيتها ، وأثقبتها وسعرتها بمعنى واحد ، وسمي الأسعر الجعفي أسعر بقوله : فلا يدعني قومي لسعد بن مالكٍ * لئن لم أُسعر عليهم وأُثقب وكان اسمه مرثد بن حمران ، ومالك في هذا البيت هو مذحج . وأما لحوق أبي بصير بسيف البحر ، ففي رواية معمر