عبد الرحمن السهيلي
35
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
في موضع آخر : « وإذا بَلَغ الأطْفَالُ منكم الحُلْمَ » النور فالأحسن في حكم البلاغة أن يعبر عن الأطفال الرضع بالطفل في الواحد والجميع ، لأنهم من حدثان الولادة كالجنس الذي يقع على القليل والكثير بلفظ واحد ، ألا ترى أن بدء الخلق طين ، ثم مني ، والمني جنس لا يتميز بعضه من بعض ، فلذلك لا يجمع ، وكذلك الطين ، ثم يكون الخلق علقاً ، وهو الدم ، فيكون ذلك جنساً ، ثم يخرجهم الله طفلاً ، أي : جنساً تالياً للعلق والمني لا يكاد يتميز بعضهم من بعض إلا عند آبائهم ، فإذا كبروا وخالطوا الناس ، وعرف الناس صورهم بعضهم من بعض فصاروا كالرجال والفتيان ، قيل فيهم : حينئذ أطفال ، كما يقال : رجال وفتيان ، ولا يعترض على هذا الأصل بالأجنة أنهم مغيبون في البطون ، فلم يكونوا كالجنس الظاهر للعيون كالماء والطين والعلق ، وإنما جمع الجنين على أجنة ، وحسن ذلك فيه ، لأنه تبع للبطن الذي هو فيه ، ويقوى هذا الغرض الذي صمدنا إليه في الطفل قول رجل من بني مجاعة لعمر بن عبد العزير ، وقد سأله : هل بقي من كهول بني مجاعة أحد ؟ قال : نعم ، وشكير كثير ، فانظر كيف قال : الكهول وجمع ، وقال في الصغار : شكير كما تقول : حشيش ، ونبات ، فتفرد ، لأنه جنس واحد ، والطفل في معنى الشكير ما داموا رضعاً ، حتى يتميزوا بالأسماء والصور عند الناس ، فهذا حكم البلاغة ، ومساق الفصاحة فافهمه . وأما قول عروة : جمعت أو شاب الناس ، يريد : أخلاطاً ، وكذلك الأوباش . وقوله في حديث المغيرة : أما المال فلست منه في شيء . فيه من الفقه أن أموال المشركين حرام إذا أمنوك وأمنتهم ، وإنما يحل بالمحاربة والمغالبة لا عند طمأنينتهم إليك وأمنتهم منك ، فإن ذلك هو الغدر ، وفي هذا المعنى آثار قد مضى بعضها ، وسيأتي بعضها في غزوة خيبر وغيرها . وفيه : أنهم كانوا يتدلكون بنخامة النبي صلى الله عليه وسلم إذا تنخم . وفي ذلك دليل على طهارة النخامة خلافاً للنخعي ، وما يروى في ذلك عن سلمان الفارسي . وحديث : إذا تنخم أحدكم في الصلاة أبين في الحجة ، لأن حديث السيرة يحتمل الخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم . المصالحة : فصل : وذكر مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم لقريش وشرطهم أن لا يأتيه منهم أحد ممن هو على دينه إلا رده عليهم ، وفي هذا الحديث مصالحة المشركين على غير مال يؤخذ منهم ، وذلك جائز إذا كان بالمسلمين ضعف ، وقد تقدم مصالحتهم على مال يعطونه في غزوة الخندق ، واختلف : هل يجوز صلحهم إلى أكثر من عشر سنين ؟ فقال بعضهم : يجوز ذلك إذا رآه لإمام ، وقالت طائفة : لا يتجاوز في صلحهم إلى أكثر من عشر سنين ، وحجتهم أن حظر الصلح هو الأصل بدليل آية القتال ، وقد ورد التحديد بالعشر في حديث ابن إسحاق فحصلت الإباحة في هذا المقدار متحققةً ، وبقيت الزيادة على الأصل وهو الحظر ، وفيه الصلح على أن يرد المسلم إلى دار الكفر ، وهذا منسوخ عند أبي حنيفة بحديث سرية خالد حين وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خثعم ، وفيهم ناس مسلمون فاعتصموا بالسجود فقتلهم خالد ، فوداهم النبي صلى الله عليه وسلم نصف الدية ، وقال : أنا بريء من مسلم بين مشركين ، وقال فقهاء الحجاز : هو جائز ، ولكن للخليفة الأكبر لا لمن دونه ، وفيه : نسخ السنة بالقرآن على أحد القولين ، فإن هذا العهد ، كان يقتضي أن لا يأتيه مسلم إلا رده ، فنسخ الله تعالى ذلك في النساء خاصةً ، فقال عز وجل : « فإن عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ » الممتحنة هذا على رواية عقيل بن خالد عن الزهري ، فإنه قال في الحديث : أن لا يأتيه أحد ، وأحد يتضمن الرجال والنساء ، والأحسن أن يقال في مثل هذا تخصيص عموم لا نسخ ، على أن بعض حذاق الأصوليين قد قال في العموم : إذا عمل بمقتضاه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم واعتقد فيه العموم ، ثم ورد التخصيص فهو نسخ ، وهو قول حسن ، وفي رواية أخرى أن لا يأتيه رجل . فهذا اللفظ لا يتناول