عبد الرحمن السهيلي
271
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
السواك : فصل : وذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها ناولته السواك حين رأته ينظر إليه ، فاستاك به ، وفيه من الفقه : التنظف والتطهر للموت ، ولذلك يستحب الاستحداد لمن استشعر القتل أو الموت كما فعل خبيب ، لأن الميت قادم على ربه ، كما أن المصلي مناج لربه ، فالنظافة من شأنهما ، وفي الحديث : إن الله نظيف يحب النظافة ، خرجه الترمذي ، وإن كان معلول السند ، فإن معناه صحيح ، وليس النظيف من أسماء الرب ، ولكنه حسن في هذا الحديث ، لازدواج الكلام ، ولقرب معنى النظافة من معنى القدس ، ومن أسمائه سبحانه : القدوس ، وكان السواك المذكور في هذا الحديث من عسيب نخل فيما روى بعضهم ، والعرب تستاك بالعسيب ، وكان أحب السواك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرع الأراك ، واحدها صريع وهو قضيب ينطوي من الأراكة حتى يبلغ التراب ، فيبقى في ظلها فهو ألين من فرعها . ومما روي من قول عائشة رضي الله عنها في معنى قولها : بين سحري ونحري ، أنها قالت : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حاقنتي وداقنتي ، فالحاقنة الثغرة ، والداقنة : تحت الدقن ، ويقال لها : النونة أيضاً . وروي أيضاً : بين شجري بالشين والجيم ونحري ، وسئل عمارة بن عقيل عن معناه ، فشبك بين أصابع يديه ، وضمها إلى نحره . وغسل عليه السلام حين قبض من بئر لسعد بن خيثمة يقال لها : بئر الغرس . كراماته ومعجزاته : فصل : وذكر أنهم كلموا حين أرادوا نزع قميصه للغسل ، وكلهم سمع الصوت ، ولم ير الشخص ، وذلك من كراماته صلى الله عليه وسلم ، ومن آيات نبوته بعد الموت ، فقد كان له عليه السلام كرامات ومعجزات في حياته ، وقبل مولده وبعد موته . ومنها ما رواه أبو عمر رحمه الله في التمهيد من طرق صحاح : أن أهل بيته سمعوا وهو مسجى بينهم قائلاً يقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أهل البيت إن في الله عوضاً من كل تالف ، وخلفاً من كل هالك ، وعزاءً من كل مصيبة ، فاصبروا واحتسبوا ، إن الله مع الصابرين ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل . قال : فكانوا يرون أنه الخضر صلى الله على نبينا وعليه ومن ذلك أيضاً أن الفضل بن عباس كان يغسله هو وعلي ، فجعل الفضل وهو يصب الماء يقول : أرحني أرحني ، فإني أجد شيئاً يتنزل على ظهري . ومنها أنه عليه السلام لم يظهر منه شيء مما يظهر من الموتى ، ولا تغيرت له رائحة ، وقد طال مكثه في البيت قبل أن يدفن ، وكان موته في شهر أيلول ، فكان طيباً حياً وميتاً ، وإن كان عمه العباس قد قال لعلي : إن ابن أخي مات لا شك ، وهو من بني آدم يأسن كما يأسنون ، فواروه . وكان مما زاد العباس يقيناً بموته عليه السلام أنه كان قد رأى قبل ذلك بيسير كأن القمر رفع من الأرض إلى السماء بأشطان ، فقصها على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : هو ابن أخيك . وروى يونس بن بكير في السيرة أن أم سلمة قالت : وضعت يدي على صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ميت فمرت علي جمع لا آكل ولا أتوضأ إلا وجدت ريح المسك من يدي ، وفي روايته أيضاً : أن علياً نودي ، وهو يغسله أن ارفع طرفك إلى السماء . وفيها أيضاً أن علياً والفضل حين انتهيا في الغسل إلى أسفله سمعوا منادياً يقول : لا تكشفوا عورة نبيكم عليه السلام . جزع عمر وثبات أبي بكر : وأما جزع عمر رضي الله عنه وقوله : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليرجعن كما رجع موسى عليه السلام ، حتى كلمه أبو بكر رحمه الله ، وذكره بالآية ، فعقر حتى سقط إلى الأرض ، وما كان من ثبات جأش أبي بكر وقوته في ذلك المقام ، ففيه ما كان عليه الصديق رضي الله عنه من شدة التأله ، وتعلق القلب بالإله ، ولذلك قال لهم : من كان يعبد محمداً ، فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله ، فإن الله حي لا يموت . ومن قوة تألهه رضي الله عنه حين أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على رد جيش أسامة حين رأوا الردة قد استعرت نارها ، وخافوا على نساء المدينة وذراريها ، فقال : والله لو لعبت الكلاب بخلاخل نساء