عبد الرحمن السهيلي
272
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
المدينة ، ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه عمر وأبو عبيدة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وكان أشد شيء عليه أن يخالف رأيه رأي سالم ، فكلموه أن يدع للعرب زكاة ذلك العام تألفاً لهم حتى يتمكن له الأمر ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم ، وكلمه عمر أن يولي مكان أسامة من هو أسن منه ، وأجلد ، فأخذ بلحية عمر ، وقال له : يا ابن الخطاب أتأمرني أن أكون أول حال عقداً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأن أخر من السماء إلى الأرض ، فتخطفني الطير أحب إلي من أن أمالئكم على هذا الرأي ، وقال لهم : والله لو أفردت من جميعكم لقاتلتهم وحدي حتى تنفرد سالفتي ، ولو منعوني عقالاً ، لجاهدتهم عليه ، أو في شك أنتم ، إن وعد الله لحق . وإن قوله لصدق ، وليظهرن الله هذا الدين ، ولو كره المشركون . ثم خرج وحده إلى ذي القصة حتى اتبعوه ، وسمع الصوت بين يديه في كل قبيلة ألا إن الخليفة قد توجه إليكم الهرب الهرب ، حتى اتصل الصوت من يومه ببلاد حمير ، وكذلك في أكثر أحواله رضي الله عنه ، كان يلوح الفرق في التأله بينه وبين عمر رضي الله عنهما ، ألا ترى إلى قوله حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : سمعتك وأنت تخفض من صوتك يعني في صلاة الليل ، فقال : قد أسمعت من ناجيت ، وقال للفاروق : سمعتك وأنت ترفع من صوتك ، فقال : كي أطرد الشيطان ، وأوقظ الوسنان . قال عبد الكريم بن هوازن القشيري ، وذكر هذا الحديث : انظروا إلى فضل الصديق على الفاروق ، هذا في مقام المجاهدة ، وهذا في بساط المشاهدة ، وكذلك ما كان منه يوم بدر ، وقد ذكرنا مقالته للنبي عليه السلام ذلك اليوم ، وهو معه في العريش ، وكذلك في أمر الصدقة حين رغب رسول - الله صلى الله عليه وسلم - فيها ، فجاء عمر بنصف ماله ، وجاء الصديق بجميع ماله ، فقال له النبي عليه السلام : ما أبقيت لأهلك ؟ قال : الله ورسوله ، وكذلك فعله في قسم الفيء حين سوى بين المسلمين ، وقال : هم إخوة ، أبوهم الإسلام ، فهم في هذا الفيء أسوة ، وأجور أهل السوابق على الله . وفضل عمر في قسم الفيء بعضهم على بعض على حسب سوابقهم ، ثم قال في آخر عمره : لئن بقيت إلى قابل لأسوين بين الناس ، وأراد الرجوع إلى رأي أبي بكر ، ذكره أبو عبيد رضي الله عنه ، وعن جميع أصحاب رسول - الله صلى الله عليه وسلم - . ما حدث للناس عقب وفاته : ومن ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ، وارتفعت الرنة وسجي رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة ، دهش الناس ، وطاشت عقولهم وأقحموا ، واختلطوا ، فمنهم من خبل ، ومنهم من أصمت ، ومنهم من أقعد إلى أرض ، فكان عمر ممن حبل وجعل يصيح ، ويحلف : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ممن أخرس عثمان بن عفان حتى جعل يذهب به ويجاء ، ولا يستطيع كلاماً ، وكان ممن أقعد : علي ، رضي الله عنه ، فلم يستطع حراكاً ، وأما عبد الله بن أنيس ، فأضنى حتى مات كمداً ، وبلغ الخبر أبا بكر رضي الله عنه ، وهو بالسنح ، فجاء وعيناه نهملان ، وزفراته تتردد في صدره ، وغصصه ترتفع كقطع الجرة ، وهو في ذلك رضوان الله عليه ، جلد العقل والمقالة ، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكب عليه ، وكشف وجهه ومسحه وقبل جبينه ، وجعل يبكي ، ويقول : بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً ، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة ، فعظمت عن الصفة ، وجللت عن البكاء ، وخصصت حتى صرت مسلاةً ، وعممت حتى صرنا فيك سواء ، ولو أن موتك كان اختياراً لجدنا لموتك بالنفوس ، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفدنا عليك ماء الشؤون ، فأما ما لا نستطيع نفيه فكمد وإد ناف يتحالفان لا يبرحان ، اللهم أبلغه عنا ، اذكرنا يا محمد عند ربك ، ولنكن من بالك ، فلولا ما خلفت من السكينة ، لم نقم لما خلفت من الوحشة ، اللهم أبلغ نبيك عنا ، واحفظه فينا ، ثم خرج لما قضى الناس غمراتهم ، وقام خطيباً فيهم بخطبة