عبد الرحمن السهيلي

248

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

عمرةً ، ولما سقت الهدي ، قال شيخنا أبو بكر رضي الله عنه : إنما ندم على ترك ما هو أسهل ، وأرفق ، لا على ترك ما هو أفضل ، وأوفق ، وذلك لما رأى من كراهة أصحابه لمخالفته ، ولم يكن ساق الهدي من أصحابه إلا طلحة بن عبيد الله ، فلم يحل حتى نحر ، وعلي أيضاً أتى من اليمن وساق الهدى فلم يحل إلا بإحلال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله عليه السلام في خطبة الوداع : ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ، إنما قال ذلك لأن ربيعة كانت تحرم في رمضان ، وتسميه : رجباً من رجبت الرجل ورجبته إذا عظمته ، ورجبت النخلة إذا دعمتها ، فبين عليه السلام أنه رجب مضر لا رجب ربيعة ، وأنه الذي بين جمادى وشعبان وقد تقدم تفسيره قوله : إن الزمان قد استدار ، وتقدم اسم ابن أبي ربيعة المسترضع في هذيل ، وأن اسمه آدم ، وقيل : تمام ، وكان سبب قتله حرب كانت بين قبائل هذيل تقاذفوا فيها بالحجارة فأصاب الطفل حجر وهو يحبو بين البيوت ، كذلك ذكر الزبير . بعث أسامة : وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة على جيش كثيف ، وأمره أن يغير على أبنى صباحاً ، وأن يحرف . وأبنا ، هي القرية التي عند مؤتة حيث قتل أبوه زيد ، ولذلك أمره على حداثة سنه ليدرك ثأرهن وطعن في إمارته أهل الريب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأيم الله إنه لخليق بالإمارة ، وإن كان أبوه لخليقاً بها ، وإنما طعنوا في إمرته ، لأنه مولى مع حداثة سنه ، لأنه كان إذ ذاك ابن ثمان عشرة سنةً ، وكان رضي الله عنه أسود الجلدة ، وكان أبوه أبيض صافي البياض ، نزع في اللون إلى أمه بركة ، وهي أم أيمن ، وقد تقدم حديثها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه ويمسح خشمه ، وهو صغير بثوبه ، وعثر يوماً فأصابه جرح في رأسه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص دمه ويمجه ، ويقول : لو كان أسامة جاريةً لحليناها ، حتى يرغب فيها ، وكان يسمى الحب من الحب . عدة الغزوات : وذكر ابن إسحاق عدة الغزوات ، وهي ست وعشرون ، وقال الواقدي : كانت سبعاً وعشرين ، وإنما جاء الخلاف ، لأن غزوة خيبر اتصلت بغزوة وادي القرى ، فجعلها بعضهم غزوةً واحدةً ، وأما البعوث والسرايا فقيل : هي ست وثلاثون كما في الكتاب ، وقيل : ثمان وأربعون وهو قول الواقدي ، ونسب المسعودي إلى بعضهم أن البعوث والسرايا كانت ستين . قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسع غزوات ، وقال الواقدي : قاتل في إحدى عشرة غزوةً ، منها الغابة ووادي القرى والله أعلم . إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك الحواريون : ذكر فيه إرسال عيسى ابن مريم الحواريين ، وأصح ما قيل في معنى الحواريين أن الحواري هو الخلصان ، أي : الخالص الصافي من كل شيء ، ومنه الحواري ، والحور ، وقول المفسرين هو : الخلصان كلمة فصيحة ، أنشد أبو حنيفة : خليليّ خلصانيّ لم يبق حسّها * من القلب إلاّ عوّذاً سبباً لها قال : والعوذ ما لم تدركه الماشية لارتفاعه ، أو لأنه بأهداف ، فكأنه قد عاذ منها . المسيح عليه السلام : وأصح ما قيل في معنى المسيح على كثرة الأقوال في ذلك أنه الصديق بلغتهم ، ثم عربته العرب . وكان إرسال المسيح للحواريين بعد ما رفع وصلب الذي شبه به ، فجاءت مريم الصديقة والمرأة التي كانت مجنونة ، فأبرأها المسيح ، وقعدنا عند الجذع تبكيان ، وقد أصاب أمه من الحزن عليه ما لا يعلم علمه إلا الله ، فأهبط إليهما ،