عبد الرحمن السهيلي

249

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وقال : على ما تبكيان ؟ فقالتا : عليك ، فقال : إني لم أقتل ، ولم أصلب ، ولكن الله رفعني وكرمني ، وشبه عليهم في أمري ، أبلغا عني الحواريين أمري ، أني لقوني في موضع كذا ليلاً ، فجاء الحواريون ذلك الموضع ، فإذا الجبل قد اشتعل نوراً لنزوله به ، ثم أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه وعبادة ربهم ، فوجههم إلى الأمم التي ذكر ابن إسحاق وغيره ، ثم كسي كسوة الملائكة ، فعرج معهم ، فصار ملكياً إنسياً سمائياً أرضياً . فصل : وذكر في الأمم : الأمة الذين يأكلون الناس ، وهم من الأساودة فيما ذكره الطبري . زريب : وذكر في الحواريين زريب بن برثملي وهو الذي عاش إلى زمن عمر وسمع نضلة بن معاوية أذانه في الجبل فكلمه ، فإذا رجل عظيم الخلق رأسه كدور الرحى ، فسأل نضلة والجيش الذين كانوا معه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : قبض ، وعن أبي بكر ، فقالوا : قبض ، ثم سألهم عن عمر ، فقالوا : هو حي ، ونحن جيشه ، فقال لهم : أقرؤوه مني السلام ثم أمرهم أن يبلغوا عنه وصايا كثيرة ، وأن يحذر الناس من خصال إذا ظهرت في أمة محمد ، فقد قرب الأمر ، ومنها لبس الحرير ، وشرب الخمر ، وأن يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء . وذكر فيها أيضاً المعارف والقيان وأشياء غير هذه ، فقالوا له : من أنت يرحمك الله ؟ فقال زريب بن برثملي حواري عيسى ابن مريم عليه السلام دعوت الله أن يحييني ، حتى أرى أمة محمد ، أو نحو هذا الكلام ، وقد أردت الخلوص إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلم أستطع ، حال بيني وبينه الكفار . وذكر الدارقطني في هذا الحديث من طريق مالك بن أنس مرفوعاً أن عمر قال لنضلة إن لقيته فأقرئه مني السلام ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن بذلك الجبل وصياً من أوصياء عيسى عليه السلام ، والخبر بهذا مشهور عنه ، وفيه طول فاختصرناه ، ويقال : إنه الآن حي . ومن قال : إن الخضر وإلياس قد ماتا ، فمن أصله أيضاً أن زريباً قد مات ، لأنهم يحتجون بالحديث الصحيح : إلى رأس مائة سنة ، لا يبقى على الأرض ممن هو عليها أحد . رسله إلى النجاشي وقيصر : فصل : وذكر إرسال عمرو بن أمية إلى النجاشي ، وقد قدمنا ذكر ما قال وما قيل له ، وكذلك ذكرنا خبر سليط مع هوذة ، وما قال له ، وخبر عبد الله بن حذافة مع كسرى ، وكلامه معه ، ونذكر هنا بقية الإرسال ، وكلامهم فمنهم : دحية بن خليفة الكلبي ، فقدم دحية على قيصر ، وقد ذكرنا معنى هذا الاسم ، أعني اسم دحية ، واسم قيصر فيما مضى من الكتاب ، فلما قدم دحية على قيصر ، قال له : يا قيصر أرسلني إليك من هو خير منك ، والذي أرسله هو خير منه ومنك ، فاسمه بذل ، ثم أجب بنصح ، فإنك إن لم تذلل لم تفهم ، وإن لم تنصح لم تنصف ، قال : هات ، قال : هل تعلم أكان المسيح يصلي ؟ قال : نعم ، قال : فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له ، وأدعوك إلى من دبر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه ، وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى ، وبشر به عيسى ابن مريم بعده ، وعندك من ذلك إثارة من علم تكفي من العيان وتشفي من الخبر ، فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة ، وإلا ذهبت عنك الآخرة وشوركت في الدنيا ، واعلم أن لك رباً يقصم الجبابرة ، ويغير النعم ، فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه ورأسه وقبله ، ثم قال : أما والله ما تركت كتاباً إلا وقرأته ، ولا عالماً إلا سألته ، فما رأيت إلا خيراً ، فأمهلني حتى أنظر من كان المسيح يصلي له ، فإن أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غداً ما هو أحسن منه ، فأرجع عنه ، فيضرني ذلك ، ولا ينفعني ، أقم حتى أنظر ، فلم يلبث أن أتاه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غزوة تبوك بقية حديث قيصر ، فانظره هنالك . رسوله إلى المقوقس : وأما حاطب فقدم على المقوقس ، واسمه : جريج بن ميناء ، فقال له : إنه قد كان رجل قبلك يزعم أنه الرب الأعلى ، فأخذه الله نكال الآخرة ، والأولى ، فانتقم به ، ثم انتقم منه ، فاعتبر بغيركن ولا يعتبر بك غيرك ،