عبد الرحمن السهيلي

247

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

حجة الوداع ذكر فيها حديث عائشة وقولها : فأهللنا بالحج وما نذكر إلا أمر الحج ، وهذا يدل على أنهم أفردوا ، وقد بين ذلك جابر في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ، وهذا هو الصحيح في حديث جابر ، وقد روي من طرق فيها لين عن جابر أنه قال قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة ، وطاف لهما طوافاً واحداً ، وسعى لهما سعياً واحداً ، رواه الدارقطني ، وروي أيضاً أن جابراً قال : حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجات ، حجتين قبل الهجرة ، وحجته التي قرنها بعمرته ، وأما حديث ابن عباس فصحيح ، وقال فيه : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجته وعمرته طوافاً واحداً ، وقد اختلف عن علي ، فروي عنه أنه طاف عنهما طوافين ، ولم يختلف عنه أنه كان قارناً ، وكذلك حديث عمران بن حصين ، في أنه عليه السلام كان قارناً ، وأما حديث أنس فصرح فيه بأنه كان قارناً ، وقال : ما تعدونا إلا صبياناً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرخ بهما جميعاً يعني الحج والعمرة ، فاختلفت الروايات في إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ترى : هل كان مفرداً أو قارناً ، أو متمتعاً ، وكلها صحاح إلا من قال : كان متمتعاً ، وأراد به أنه أهل بعمرة ، وأما من قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي : أمر بالتمتع ، وفسخ الحج بالعمرة ، فقد يصح هذا التأويل ، ويصح أيضاً أن يقال : تمتع إذا قرن ، لأن القران ض رب من المتعة لما فيه من إسقاط أحد السفرين . والذي يرفع الإشكال حديث البخاري أنه أهل بالحج ، فلما كان بالعقيق أتاه جبريل ، فقال له : إنك بهذا الوادي المبارك ، فقل : لبيك بحج وعمرة معاً ، فقد صار قارناً بعد أن كان مفرداً ، وصح القولان جميعاً ، وأمره لأصحابه أن يفسخوا الحج بالعمرة خصوص لهم ، وليس لغيرهم أن يفعله ، وإنما فعل ذلك ليذهب من قلوبهم أمر الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج ، فكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر ، ويقولون : إذا برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر ، ولم يفسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجه كما فعل أصحابه ، لأنه ساق الهدي ، وقلده ، والله سبحانه يقول : « حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه » البقرة وقال حين رأى أصحابه قد شق عليهم خلافه : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها