عبد الرحمن السهيلي
22
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
قرأ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني ولا الضالين بهمزة مفتوحة وقرأ عمرو بن عبيد : « إنْسٌ قَبْلَهُم ولا جَاْنٌ » الرحمن وأنشد الخطابي : سقى مطغيات المحل سكباً وديمةً * عظام ابن ليلى حيث كان رميمها فأصبح منها كلّ وادٍ وتلعةٍ * حدائق خضراً مزهئرّاً عميمها وأنشد أيضا : * خاطمها زأمها أن تهربا * فإن قيل : الهمزة في هذا كله مفتوحة ، وفي قوله : يغطئل مكسورة ، وكذلك في الحديث الصحيح : أسود مربئد في رواية . قلنا : إنما كسرت الهمزة في مزهئر ومربئد ويغطئل ، بعد أن فتحت في الماضي ، فقيل : اغطأل ، وأزهأر ، فصار على وزن اطمأن ، فجاء اسم الفاعل والمستقبل على ذلك القياس مكسوراً كما يكسر في مطمئن . تفسير العجب وقول ثابت لعبد الله بن رواحة : أما أعجبك ضرب حسان بالسيف ، معناه : أما جعلك تعجب ، تقول : عجبت من الشيء وأعجبني الشيء ، إذا كان ذلك العجب من مكروه أو محبوب ، وهو عند الناس بمعنى سرني لا غير ، وفي الحديث ، وكلام العرب شواهد كثيرة على هذا المعنى منها في الكامل فلأعجبني أن أعجبه بكاء أبيه ، وفي حديث ذكره عن عبد الرحمن بن حسان ، وكذلك أنشد : * ألا هزئت بنا قرشيةٌ يهتزّ منكبها * تقول لي : ابن قيس ذا وبعض الشيب يعجبها . وقال كعب بن زهير : لو كنت أعجب من شيءٍ لأعحبني * سعي الفتى وهو مخبوءٌ له القدر وقوله عليه السلام : أتشوهت على قومي أن هداهم الله ، معناه : أقبحت ذلك من فعلهم حين سميتهم بالجلابيب من أجل هجرتهم إلى الله وإلى رسوله ؟ بئر بيرحاء : وقوله : فأعطاه عوضاً منها بيرحاء ، وذكر بعضهم أن هذه البئر سميت بيرحاء ، بزجر الإربل عنها ، وذلك أن الإبل يقال لها إذا زجرت عن الماء ، وقد رويت حاحا ، وهكذا كان الأصيلي يقيده برفع الراء إذا كان الاسم مرفوعاً ، وبالمد ، وغير الأصيلي يقول : بيرحاء بالفتح على كل حال وبالقصر يجعله اسماً واحداً ، وقد حكى عن بعضهم فيه بيرحاء ، بفتح الباء مع القصر ، وفي الصحيح أن أبا طلحة دفع بيرحاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها صدقةً ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلها في الأقربين ، فقسمها بين أبي وحسان ، وفسر البخاري وأبو داود القرابة التي بين أبي طلحة وبينهما قالا : فأما حسان فهو ابن المنذر بن ثابت بن حرام ، وأبو طلحة هو زيد بن سهل بن حرام ، فهذه قرابة قريبة ، وأما أبي ، فيجتمع معه في الأب السادس ، وهو عمرو بن مالك بن النجار ، وقد كان أبي غنياً ، فكيف ترك من هو أقرب منه ، وخصه ؟ والوجه في ذلك أن أبياً كان ابن عمة أبي طلحة ، وهي صهيلة بنت الأسود بن حرام ، وهو معروف عند أهل النسب ، فمن أجل ذلك النسب خصه بها ، لا من أجل النسب الذي ذكرناه فإنه بعيد ، وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم : اجعلها في الأقربين .