عبد الرحمن السهيلي
23
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
براءة عائشة : وفي المسند من حديث عائشة أنه لما أنزل الله براءتها قام إليها أبو بكر ، فقبل رأسها ، فقالت له : هلا كنت عذرتني ، فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني ، إن قلت بما لا أعلم ، وكان نزول براءة عائشة رضي الله عنها بعد قومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلةً في قول بعض المفسرين . حسان يمدح عائشة : وقول حسان في عائشة : حصانٌ رزانٌ ما تزنّ بريبةٍ * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حصان : فعال بفتح الحاء يكثر في أوصاف المؤنث ، وفي الأعلام منها ، كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى ، أي : المسمى بهذه الصفات خفيف على النفس ، وحصان من الحصن والتحصن ، وهو الامتناع على الرجال من نظرهم إليها ، وقالت جارية من العرب لأمها : يا أُمّتا أُبصرني راكبٌ * يسير في مسحنفرٍ لاحب جعلت أحثي التراب في وجهه * حصناً وأحمي حوزة الغائب فقالت لها أمها : الحصن أدنى لو تآبيته * من حثيك التّرب على الرّاكب ذكر هذه الأبيات أحمد بن أبي سعيد السيرافي في شرح أبيات الإيضاح والرزان والثقال بمعنى واحد ، وهي القليلة الحركة . وقوله : وتصبح غرثى من لحوم الغوافل أي : خميصة البطن من لحوم الناس ، أي : اغتيابهم وضرب الغرث مثلاً ، وهو عدم الطعم وخلو الجوف ، وفي التنزيل : « أَيُحِبُّ أحدُكم أن يَأْكُلَ لَحْمَ أخيه مَيْتاً » الحجرات ضرب المثل لأخذه في العرض بأكل اللحم ، لأن اللحم ستر على العظم ، والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه من ستر . وقال : ميتاً ، لأن الميت لا يحس ، وكذلك الغائب لا يسمع ما يقول فيه المغتاب ، ثم هو في التحريم كأكل لحم الميت . وقوله : من لحوم الغوافل ، يريد : العفائف الغافلة قلوبهن عن الشر ، كما قال سبحانه : « إن الذين يَرْمُون المُحصَنَاتِ الغافلاتِ المُؤمنات » النور جعلهن غافلات ، لأن الذي رمين به من الشر لم يهممن به قط ولا خطر على قلوبهن ، فهن في غفلة عنه ، وهذا أبلغ ما يكون من الوصل بالعفاف . وقوله : * له رتبٌ عالٍ على الناس كلّهم * الرتب : ما ارتفع من الأرض وعلا ، والرتب أيضاً : قوة في الشيء وغلظ فيه ، والسورة رتبة رفيعة من الشرف مأخوذة اللفظ من سور البناء . وقوله : فإن الذي قد قيل ليس بلائطٍ أي : بلاصق ، يقال : ما يليط ذلك بفلان ، أي : ما يلصق به ، ومنه سمي الربا : لياطاً ، لأنه ألصق بالبيع ، وليس ببيع . وفي الكتاب الذي كتب لثقيف : وما كان من دين ليس فيه رهن ، فإنه لياط مبرأ من الله . وسيأتي حديثه مفسراً إن شاء الله . وقوله في الشعر : * فلا رفعت سوطي إليّ أناملي * دعاء على نفسه ، وفيه تصديق لمن قال : إن حسان لم يجلد في الإفك ، ولا خاض فيه ، وأنشدوا البيت الذي ذكره ابن إسحاق :