عبد الرحمن السهيلي
172
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقوله : إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول ويروى : وقيلهم ، وهو أحسن في المعنى ، وأولى بالصواب ؛ لأن القيل هو الكلام المقول فهو مبتدأ ، وقوله : إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول : خبر ، تقول : إذا سئلت ما قيلك ؟ قيلي : إن الله واحد ، فقولك : إن الله واحد هو القيل ، والقول مصدر كالطحن والذبح ، والقيل اسم للمقول كالطحن والذبح بكسر أوله ، وإنما حسنت هذه الرواية ، لأن القول مصدر فيصير : إنك يا ابن أبي سلمى في موضع المفعول فيه ، فيبقى المبتدأ بلا خبر إلا أن تجعل المقول هو القول على المجار ، كما يسمى المخلوق خلقاً ، وعلى هذا يكون قوله عز وجل : « وقيلِه يا رَبْ » الزخرف في موضع البدل من القيل ، وكذلك قوله : « إلاَّ قِيلاً سَلاًماً سَلاًماً » الواقعة منتصب بفعل مضمر ، فهو في موضع البدل من قيلاً وكذلك قوله : « ومَنْ أَصْدَقُ من اللّه قِيلاً » النساء أي : حديثاً مقولاً ، ومن هذا الباب مسألة من النحو ذكرها سيبويه ، وابن السراج في كتابه ، وأخذ الفارسي منهما ، أو من ابن السراج ، فكثيراً ما ينقل بلفظه غير أنه أفسد هذه المسألة ، ولم يفهم ما أراد بها ، وذلك أنهما قالا : إذا قلت أول ما أقول : إني أحمد الله ، بكسر الهمزة ، فهو على الحكاية ، فظن الفارسي أنه يريد على الحكاية بالقول ، فجل إني أحمد الله في موضع المفعول بأقول ، فلما بقي له المبتدأ بلا خبر تكلف له تقديراً لا يعقل ، فقال : تقديره أول ما أقول : إني أحمد الله موجود أو ثابت ، فصار معنى كلامه : إلى أن أول هذه الكلمة التي هي إني أحمد الله موجود أي : أول هذه الكلمة موجود ، فآخرها إذاً معدوم ، وهذا خلف من القول ، كما ترى ، وقد وافقه ابن جني عليه ، رأيته في بعض مسائله ، قال : قلت لأبي علي لم لا يكون : إني أحمد الله في موضع الخبر ، كما تقول : أول سورة أقرأها : « إنا أَعْطَيْنَاك الكَوْثَر » الكوثر أو نحو هذا ولا يحتاج إلى حذف خبر ، قال : فسكت ولم يجد جواباً ، وإنما معنى هذه المسألة أول ما أقول ، أي : أول القيل الذي أقوله إني أحمد الله على حكاية الكلام المقول ، وهذا الذي أراد سيبويه ، وأبو بكر بن السراج ، فإن فتحت الهمزة من أن صار معنى الكلام أول القول لا أول القيل ، وكانت ما واقعةً على المصدر ، وصار معناه : أول قولي الحمد إذ الحمد قول ولم يبين مع فتح الهمزة كيف حمد الله ، هل قال : الحمد لله بهذا اللفظ ، أو غيره ، وعلى كسر الهمزة قد بين كيف حمد حين افتتح كلامه ، بأنه قال : إني أحمد الله بهذا اللفظ ، أو غيره وعلى كسر الهمزة قد بين كيف حمد حين افتتح كلامه ، بأنه قال : إني أحمد الله بهذا اللفظ لا بلفظ آخر ، فقف على هذه المسألة ، وتدبرها إعراباً ومعنى ، فقل : من أحكمها وحسبك أن الفارسي لم يفهم عمن قبله ، وجاء بالتخليط المتقدم ، والله المستعان . عود إلى بانت سعاد والخراديل : القطع من اللحم ، وفي الحديث في صفة الصراط : فمنهم الموبق بعمله ، ومنهم المخردل ، أي : تخردل لحمه الكلاليب التي حول الصراط ، سمعت شيخنا الحافظ أبا بكر رحمه الله يقول : تلك الكلاليب هي الشهوات ، لأنها تجذب العبد في الدنيا عن الاستقامة على سواء الصراط ، فتمثل له في الآخرة على نحو ذلك . وقوله : بضراء الأرض . الضراء : ما واراك من شجر ، والخمر : ما واراك من شجر وغيره . وقوله : بواديه الأراجيل ، أي : الرجالة ، قيل : إنه جمع الجمع ، كأنه جمع الرجل ، وهم الرجالة على أرجل ، ثم مع أرجلاً على أراجل ، وزاد الياء ضرورةً . والدرس : الثوب الخلق . والفقعاء : شجرة لها ثمر كأنه حلق . ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أنشده كعب : إن الرسول لنورٌ يستضاء به * مهنّدٌ من سيوف اللّه مسلول نظر إلى أصحابه كالمعجب لهم من حسن القول وجودة الشعر .