عبد الرحمن السهيلي

83

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

الملك على صورة رجل يعرفه ، وهو يثبته ويقول له : ما هم بشيء ، فكر عليهم ، وهذا في معنى قوله سبحانه : « فَثَبِّتُوا الذين آمنوا » ذكره ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام ، وفي مثل هذا يقول حسان : ميكال معك وجبرئيل كلاهما * مددٌ لنصرك من عزيز قادر ويقال : كان مع المسلمين يومئذ سبعون من الجن ، كانوا قد أسلموا . من الآخرون وذكر قول الله تعالى : « تُرْهِبُونَ به عَدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم وآخرين من دونهم » ولم يذكر الآخرين من هم ، وقيل في ذلك أقوال قيل : هم المنافقون ، وقيل : هم اليهود وأصح ما في ذلك أنهم الجن ، لرواية ابن المليكي عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخرين من دونهم قال : هم الجن ثم قال عليه السلام : إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فر عتيق ، ذكره الحارث في مسنده وأنشد : جنوح الهالكيّ على يديه * مكباً يجتلي نقب النّصال الهالكي : الصيقل . ونقب النصال : جرب الحديد ، وصدؤه ، وهو في معنى النقب ، واحدتها نقبة . غنائم بدر : فصل : وذكر في السورة : « لولا كِتَابٌ من اللّه سَبَقَ » يعني بإحلال الغنائم لمحمد وأمته لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة ، وقال : لو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر ، لأن عمر كان قد أشار عليه بقتل الأسارى والإثخان في القتل ، وأشار أبو بكر بالإبقاء ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ، ثم نزلت الآية : « فكُلُوا مما غَنِمْتُم حَلاَلاً طَيِّباً » وروى أبو عبيد من طريق عبد الله بن مسعود قال : لما كان يوم بدر ، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الأسارى ، فقال : ماذا ترون ؟ فقال عمر : يا رسول الله كذبوك وأخرجوك ، اضرب أعناقهم ، وقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله أنت بواد كثير الحطب ، فأضرمه ناراً ، ثم ألقهم فيها ، فقال العباس : قطع الله رحمك ، فقال أبو بكر : يا رسول الله عترتك ، وأصلك وقومك تجاوز عنهم ، يستنقذهم الله بك من النار ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن قائل يقول القول ما قال عمر ، ومن قائل يقول القول ما قال أبو بكر ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما قولكم في هذين الرجلين ، إن مثلهما كمثل إخوة لكم ، كانوا قبلكم ، قال نوح : « رَبِّ لا تَذَرْ على الأرضِ » الآية ، وقال موسى : « رَبَّنا اطْمِسْ على أموالِهم » الآية ، وقال عيسى : « إنْ تُعَذِّبْهُم فإنهم عبادُك » الآية ، وقال إبراهيم : « فَمَنْ تَبعني فإنه مِنِّي » الآية . وإن الله يشدد قلوب رجال ، حتى تكون كالحجر ، ويلين قلوب رجال ، حتى تكون ألين من اللبن ، ويروى من اللين ، وإن بكم عيلةً فلا يفلت منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق . قال عبد الله بن مسعود : فقتل : إلا سهل ابن بيضاء ، وقد كنت سمعته يذكر الإسلام ، قال : فجعلت أنظر إلى السماء متى تقع علي الحجارة فقلت : أقدم القول بين يدي رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلا سهيل ابن بيضاء ، ففرحت بذلك ، قال أبو عبيدة : أما أهل المعرفة بالمغازي ، فإنهم يقولون : إنما هو سهل ابن بيضاء أخو سهيل ، فأما ، سهيل ، فكان من المهاجرين ، وقد شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفد بعدها بمال ، إنما كان يمن أو يفادي أسيراً بأسير ، كذلك قال أبو عبيد : وذلك والله أعلم لقوله : « تُريدون عَرَضَ الدُّنْيَا » يعني الفداء بالمال ، وإن كان قد أحل ذلك وطيبه ، ولكن ما فعله الرسول بعد ذلك أفضل من المن أو المفاداة بالرجال ، ألا ترى إلى قوله سبحانه : « فإمَّا منَّا بعدُ وإمَّا فِدَاءً » كيف قدم المن على الفداء ، فلذلك