عبد الرحمن السهيلي
84
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمه ، وأما مذاهب الفقهاء في هذا ، فالأوزاعي وسفيان ومالك يكرهون أخذ المال في الأسير ، لما في ذلك من تقوية العدو بالرجال ، واختلفوا في الصغير إذا كان معه أمه ، فأجاز فداءه بالمال أهل العراق ، واختلف فيه عن مالك ، والصحيح منعه ، وكان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم في الأسرى ، ففدى نفسه ، وفدى ابني أخيه ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد تركتني أتكفف قريشاً فقيراً معدماً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين الذهب التي تركتها عند أم الفضل وعددها كذا وكذا ، وقلت لها : كيت وكيت ، فقال : من أعلمك بهذا يا ابن أخي ؟ فقال : الله ، فقال : حديث ما اطلع عليه إلا عالم الأسرار أشهد أنك رسول الله ، فحينئذ أسلم العباس ، وكان في الأسرى من يكتب ، ولم يكن في الأنصار أحد يحسن الكتابة فكان منهم من لا مال له ، فيقبل منه أن يعلم عشرةً من الغلمان الكتابة ، ويخلى سبيله ، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمة الأنصار ، وهذه عيون أخبار ، وصلتها بما ذكره ابن إسحاق في يوم بدر جمعتها من كتب التفاسير والسير ولخصتها . خيل المسلمين ببدر : فصل : وذكر ابن إسحاق الخيل التي كانت للمسلمين يوم بدر ، فذكر بعزجة فرس المقداد ، واليعبوب فرس الزبير ، وفرساً لمرثد الغنوي ، ولم يكن لهم يومئذ خيل إلا هذه ، وفي فرس الزبير اختلاف ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خيل بعد هذا اليوم ، منها : السكب واللزاز والمرتجز واللحيف ، وقد ذكره البخاري من حديث عباس بن سهل عن أبيه ، قال : ويقال فيه : اللخيف بالخاء المعجمة ، وقال القتبي : كان المرتجز فرساً اشتراه عليه السلام من أعرابي ، ثم أنكر الأعرابي أن يكون باعه منه ، فشهد خزيمة بن ثابت على الأعرابي بالبيع ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بم تشهد ؟ قال : أشهد بصدقك يا رسول الله ، فجعلت شهادته شهادة رجلين ، والحديث مشهور ، غير أن في مسند الحارث زيادة فيه ، وهي أنه ، عليه السلام ، رد الفرس على الأعرابي ، وقال : لا بارك الله لك فيها ، فأصبحت من الغد شائلة برجلها ، أي : قد ماتت . قال الطبري : ومن خيله الضرس ، وملاوح ، والورد وهو الذي وهبه لعمر ، فحمل عليه عمر رجلاً في سبيل الله ، وحديثه في الموطأ ، وكان له عليه السلام من الدروع : ذات الفضول ، وأخرى يقال لها : فضة ، وراية يقال لها العقاب ، وقوسان أحدهما : الصفراء ، والأخرى : الزوراء وسيفه : ذو الفقار لفقرات كانت في وسطه ، وكان لنبيه ومنبه ابني الحجاج سلباه يوم بدر ، ويقال : إن أصله كان من حديدة وجدت مدفونة عند الكعبة ، فصنع منها ذو الفقار ، وصمصامة عمرو بن معدي كرب التي وهبها لخالد بن سعيد ، وكانت مشهورةً عند العرب ، وكان له حربة يقال لها : النبعة ، وذكر العقيلي في كتاب الضعفاء جملة من آلاته عليه السلام في حديث أسنده ، فمنها الجمع اسم كنانته ، والمدلة اسم لمرآة كان ينظر فيها ، وقضيب يسمى : الممشوق ، وذكر الجلمين ، ونسيت ما قال في اسمه ، وأما بغلته دلدل وحماره عفير ، فقد ذكرناهما في كتاب الأعلام ، وذكرنا ما كان في أمر الحمار من الآيات ، وزدنا هنالك في استقصاء هذا الباب ، ورأينا أن لا نخلي هذا الكتاب مما ذكرنا هنالك ، أو أكثره ، وأما دلدل فماتت في زمن معاوية ، وهي التي أهداها إليه المقوقس ، وأما اليعفور فطرح نفسه في بئر يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم فمات ، وذكر ابن فورك في كتاب الفصول أنه كان من مغانم خيبر ، وأنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال له : يا رسول الله أنا زياد بن شهاب ، وقد كان في آبائي ستون حماراً كلهم ركبه نبي ، فاركبني أنت ، وزاد الجويني في كتاب الشامل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أحداً من أصحابه أرسل إليه هذا الحمار ، فيذهب حتى يضرب برأسه الباب ، فيخرج الرجل ، فيعلم أنه قد أرسل إليه ، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان له ترس فيما ذكر الطبري فيه تمثال كرأس الكبش وكان يكرهه فيه ، فأصبح ذات يوم قد انمحى ، ولم يبق منه أثر ، وأما رداؤه عليه السلام ، فكان يقال له : الحضرمي ،