عبد الرحمن السهيلي
82
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ألفاً لم يجز لهم الفرار من ثلاثة أمثالهم ، ولا من أكثر من ذلك ، لقوله عليه السلام : لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة ، وقد كان وقوف الواحد إلى العشرة حتماً في أول الأمر ، ثم خفف الله ونسخه بقوله : « الآن خَفَّفَ اللّه عنكم وعَلم أن فيكم ضَعْفاً » الآية ، كذلك روي عن ابن عباس ، وهو قول العلماء ، ولكن لا يتبين فيه النسخ ، لأن قوله : « إنْ يكُن منكم عشرون صابِرون » إلى آخر الآية خبر ، والخبر لا يدخله النسخ ، وقوله : « الآن خفَّف اللّه عنكم » يدل على أن ثم حكماً منسوخاً ، وهو الثبوت للعشرة ، فإذاً للآية ظهر وبطن ، فظاهرها خبر ، ووعد من الله تعالى أن تغلب العشرة المائة ، وباطنها وجوب الثبوت للمائة ، ويدل على هذا الحكم قوله : « حَرِّضِ المؤمنين على القِتال » فتعلق النسخ بهذا الحكم الباطن ، وبقي الخبر وعداً حقاً قد أبصره المؤمنون عياناً في زمن عمر بن الخطاب ، وفي بقية خلافة أبي بكر في محاربة الروم وفارس بالعراق والشام ، ففي تلك الملاحم هزمت المئون الآلاف من المشركين ، وقد هزم خالد بن الوليد مائة ألف حين إقباله من العراق إلى الشام ولم يبلغ عسكره خمسة آلاف ، بل قد رأيت في بعض فتوح الشام أنه كان يومئذ في ألف فارس ، وكان قد أقبل من العراق مدداً للمسلمين الذين بالشام ، وكان الروم في أربعمائة ألف ، فلقي منهم خالد مائة ألف ففض جمعهم وهزمهم ، وقد هزم أهل القادسية جيوش رستم وقتلوه وكان رستم في أكثر من مائتي ألف ، ولم يكن المسلمون في عشر ذلك العدد وجاؤوا معهم بالفيلة أمثال الحصون عليها الرجال ففرت الفيلة ، وأطاحت ما عليها ، ولم يردها شيء دون البلد الذي خرجت منه ، وكذلك ما ظهر من فتح الله ونصره على يدي موسى بن نصير بإفريقية ، والأندلس ، فقد كان في ذلك أعجب العجب ، فكان وعد الله مفعولاً ونصره للمسلمين ناجزاً ، والحمد لله . وقال النقاش في معنى قوله تعالى : « إنْ يَكُنْ منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين » معناه : إن يصيروا يغلبوا ، وغلبتهم ليس بأن يسلموا كلهم ، ولكن من سلم منهم رأى غلبة أهل دينه ، وظهورهم على الكفر ، ولا يقدح في وعد الله أن يستشهد جملة من الصابرين ، وإنما هذا كقوله : « قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه » إلى قوله : « حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يد وهم صاغرون » فقد تجز الموعود وغلبوا كما وعدوا . هذا معنى كلامه ، والذي قدمناه أبين . الذين في قلوبهم مرض : في بدر وفي هذه السورة قوله : « إذْ يقول المنافقون والذين في قلوبِهم مَرضٌ » نزلت في قوم من أهل مكة آمنوا ولم يهاجروا ، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر ، فلما رأوا قلة المسلمين شكوا ، وقالوا : غر هؤلاء دينهم ، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة ، وقيس بن الفاكه وجماعة سماهم أبو بكر النقاش ، وهم الذين قتلوا فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم . رأي أبي جهل في النبي صلى الله عليه وسلم ورجوع الأخنس ببني زهرة : وانخنس يومئذ أبي بن شريق بنحو من ثلاثمائة من قريش ، فسمي الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة وذلك أنه خلا بأبي جهل حين تراءى الجمعان ، فقال : أترى أن محمداً يكذب ؟ فقال أبو جهل : كيف يكذب على الله ، وقد كنا نسميه الأمين ، لأنه ما كذب قط ، ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السقاية والرفادة والمشورة ، ثم تكون فيهم النبوءة ، فأي شيء بقي لنا ، فحينئذ انخنس الأخنس ببني زهرة وحشد إبليس جميع جنوده ، وجاء بنفسه ، ونزل جبريل بألف من الملائكة في صور الرجال ، فكان في خمسمائة من الملائكة من الميمنة ، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة في الميسرة ، ووراءهم مدد لم يقاتلوا ، وهم الآلاف المذكورون في سورة آل عمران ، وكان إسرافيل وسط الصف لا يقاتل ، كما يقاتل غيره من الملائكة ، وكان الرجل يرى