عبد الرحمن السهيلي
78
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
إسلام عمير بن وهب : فصل : وذكر إسلام عمير بن وهب إلى آخره ، وليس فيه ما يشكل . هل تمثل إبليس في غزوة بدر : وذكر في آخر الحديث أن عمير بن وهب هو الذي رأى إبليس يوم بدر حين نكص على عقبيه ، وذكر غيره أن الحارث بن هشام تشبث به ، وهو يرى أنه سراقة بن مالك ، فقال : إلي أين سراق أين تفر فلكمه لكمةً طرحه على قفاه ، ثم قال : إني أخاف الله رب العالمين ، وإنما كان تمثل في صورة سراقة المدلجي ، لأنهم خافوا من بني مدلج أن يعرضوا لهم ، فيشغلوهم من أجل الدماء التي كانت بينهم ، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة المدلجي ، وقال : إني جار لكم من الناس ، أي : من بني مدلج ، ويروى أنهم رأوا سراقة بمكة بعد ذلك ، فقالوا له : يا سراقة أخرمت الصف ، وأوقعت فينا الهزيمة ؟ فقال : والله ما علمت بشيء من أمركم ، حتى كانت هزيمتكم ، وما شهدت ، وما علمت فما صدقوه ، حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل الله فعلموا أنه كان إبليس تمثل لهم . وقول اللعين : إني أخاف الله رب العالمين ، لأهل التأويل فيه أقوال أحدها : أنه كذب في قوله : إني أخاف الله ، لأن الكافر لا يخاف الله ، الثاني : أنه رأى جنود الله تنزل من السماء ، فخاف أن يكون اليوم الموعود الذي قال الله فيه : « يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكةَ لا بُشْرَى يَوْمئِذٍ للمُجرِمين » وقيل أيضاً : إنما خاف أن تدركه الملائكة لما رأى من فعلها بحزبه الكافرين ، وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أن قريشاً حين توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون ، وهو ينشد بأنفذ صوت ، ولا يرى شخصه : أزار الحنيفيّون بدراً وقيعةً * سينقضّ منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالاً من لؤيٍّ ، وأبرزت * خرائد يضربن التّرائب حسّرا فيا ويح من أمسى عدوّ محمّدٍ * لقد جار عن قصد الهدى وتحيّرا فقال قائلهم : من الحنيفيون ؟ فقالوا : هم محمد وأصحابه ، يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف ، ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين .