عبد الرحمن السهيلي

79

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ذكر ما أنزل الله في بدر أنزل سورة الأنفال بأسرها ، والأنفال هي الغنائم ، وقال أبو عبيد في كتاب الأموال : النفل ، إحسان وتفضل من المنعم فسميت الغنائم أنفالاً ، لأن الله تعالى تفضل بها على هذه الأمة ، ولم يحلها لأحد قبلهم . قال المؤلف : أما قوله : إن الله تفضل بها فصحيح ، فقال قال عليه السلام : ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم ، إنما كانت نار تنزل من السماء فتأكلها ، وأما قوله : فسميت الغنائم أنفالاً لهذا ، فلا أحسبه صحيحاً ، فقد كانت العرب في الجاهلية الجهلاء تسميها أنفالاً . وقد أنشد ابن هشام لأوس بن حجر الأسيدي ، وهو جاهلي قديم : نكصتم على أعقابكم يوم جئتم * تزجّون أنفال الخميس العرمرم ففي هذا البيت أنها كانت تسمى أنفالاً قبل أن يحلها الله لمحمد وأمته ، فأصل اشتقاقها إذاً من النفل ، وهو الزيادة لأنها زيادة في أموال الغانمين ، وفي بيت أوس بن حجر أيضاً شاهد آخر على أن الجيش كان يسمى : خميساً في الجاهلية ، لأن قوماً زعموا أن اسم الخميس من الخمس الذي يؤخذ من المغنم ، وهذا لم يكن حتى جاء الإسلام ، وإنما كان لصاحب الجيش الربع ، وهو المرباع ، وسيأتي القول في اشتقاقه فيما بعد إن شاء الله . قرأ ابن مسعود وعطاء يسألونك الأنفال وقرأت الجماعة : « يسئلونك عن الأنفالِ » والمعنى صحيح في القراءتين ؛ لأنهم سألوها وسألوا عنها لمن هي . وقول عبادة بن الصامت : نزلت فينا أهل بدر : « يَسْئَلونَك عن الأنفال » لأنا تنازعنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، كذلك جاء في التفسير لعبد بن حميد ، وغيره أن عبادة بن الصامت مع الذين كانوا معه ، وأبا اليسر كعب بن عمرو في طائفة معه ، وكان أبو اليسر قد قتل قتيلين ، وأسر أسيرين تنازعوا ، فقال الذين حووا المغنم : نحن أحق به ، وقال : الذين شغلوا بالقتال ، واتباع القوم نحن أحق به ، فانتزعه الله منهم ورده إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وقد تقدم حديث سعد بن أبي وقاص ، حين جاء بالسيف ، فأمر أن يجعله في القبض ، فشق ذلك عليه ، وكان السيف للعاصي بن سعيد ، يقال له : ذو الكنيفة ، فلما نزلت الآية أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف لسعد ، وقسم الغنيمة عن بواء أي : على سواء ، وقد قدمنا الحديث الذي ذكره أبو عبيد ، وفيه أنه قسمها على فواق ، فأنزل الله بعد : « واعْلَمُوا أنما غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ » الآية فنسخت « قل الأنفال للّه والرسول » وهو أصح الأقوال أنها منسوخة . وأما من زعم أن الأنفال ما شذ من العدو إلى المسلمين من دابة ، أو نحوها ، فليست منسوخة عنده ، وكذلك قول مجاهد : إن الأنفال ، هو الخمس نفسه ، وإنما تكون منسوخة إذا قلنا إنها جملة الغنائم ، وهو القول الذي تشهد له الآثار ، قال أبو عبيد : والأنفال تنقسم أربعة أقسام نفل لا يخمس ، ونفل من رأس الغنيمة ، ونفل من الخمس ، ونفل السرايا وهو بعد إخراج الخمس ، ونفل من خمس الخمس ، فأما الذي ليس فيه خمس ولا يخرج من رأس الغنيمة ، ولا من الخمس ، فهو سلب القتيل يقتل في غير معمعة الحرب ، وفي غير الزحف ، فهو ملك للقاتل ، وهذا القول هو قول الأوزاعي ، وأهل الشام ، وقول طائفة من أهل الحديث وفيه قول ثان ، وهو أن السلب من جملة النفل يخمس مع الغنيمة ، وهو قول مالك ، وهو معنى قول ابن عباس الذي في الموطأ حين سأله رجل عن الأنفال ، فقال : الفرس من النفل والدرع من النفل ، وقال في غير الموطأ في هذا الحديث :