عبد الرحمن السهيلي

62

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وذكر أبو عمر النمري عن بعض أهل العلم ، ولم يسمهم أن الرجل الذي قيل له : سبقك بها عكاشة كان منافقاً ، ولذلك لم يدع له رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال المؤلف : وهذا لا يصح ؛ لأن في مسند البزار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث قال : فقام رجل من خيار المهاجرين ، فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، قال ابن بطال معنى قوله : سبقك بها عكاشة ، أي : سبقك بهذه الصفة التي هي صفة السبعين ألفاً ، ترك التطير ونحوه ، ولم يقل : لست منهم ، ولا على أخلاقهم بحسن أدبه عليه السلام ، وتلطفه في الكلام ولا سيما مع أصحابه الكرام . قال المؤلف رضي الله عنه والذي عندي في هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها عليه السلام ، فلما انقضت ، قال للرجل ما قال ، يبين هذا حديث أبي سعيد الخدري ، فإنه قال فيه بعد ذكر عكاشة ، فقام رجل آخر ، فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : اللهم اجعله منهم ، ثم سكتوا ساعةً يتحدثون ، ثم قام الثالث ، فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : سبقك بها عكاشة ، وصاحبه ، ولو قلت لقلت ، ولو قلت لوجبت ، وهي في مسند ابن أبي شيبة ، وفي مسند البزار أيضاً . ويقوي هذا المعنى رواية ابن إسحاق ، فإنه زاد ، فقال فيها : سبقك به عكاشة وبردت الدعوة ، فقف على ما ذكرته في تفسير حديث عكاشة ، فإنه من فوائد هذا الكتاب . وممن لم يشهد بدراً لعذر ، وهو من النقباء سعد بن عبادة سيد الخزرج ، لأنه نهشته حية ، فلم يستطع الخروج هذا قول القتبي ، ولذلك لم يذكره ابن إسحاق ، ولا ابن عقبة في البدريين ، وقد ذكره طائفة فيهم ، منهم ابن الكلبي وجماعة . نداء أصحاب القليب : مسألة نحوية : وقوله عليه السلام : يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة : الحديث ، يجوز يا شيبة بن ربيعة ، بضم التاء ونصب النون وبنصبهما جميعاً ، أما من يقول : جاءني زيد ابن فلان بالتنوين ، فهو الذي يقول : يا زيد ابن بضم الدال ، ويكتب ابن بالألف على هذا ، ومن يقول : جاءني زيد ابن بلا تنوين ، فهو الذي يقول في النداء : يا زيد ابن بنصب الدال ، ويكتب ابنا بغير ألف ، لأنه جعل الابن مع ما قبله اسماً واحداً ، فعلى هذا تقول يا حارث ابن عمرو فتكتبه بألف ، لأنك أردت يا حارث بالضم ، لأنك لو أردت يا حارث ابن بالنصب لم ترخمه ، لأنه قد صار وسط الاسم ، وقد جعله سيبويه بمنزلة قولك : امرأ ، وكذلك قوله : ويا أبا جهل بن هشام إن نونت اللام من أبي جهل كتبت الابن بألف ، وإن لم تنونه كتبته بغير ألف . وذكر إنكار عائشة أن يكون عليه السلام قال : لقد سمعوا ما قلت ، قالت : وإنما قال : لقد علموا أن الذي كنت أقول حق . قال المؤلف : وعائشة لم تحضر وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه عليه السلام ، وقد قالوا له : يا رسول الله أتخاطب قوماً قد جيفوا أو أجيفوا ، فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين ، جاز أن يكونوا سامعين ؛ إما بآذان رؤوسهم إذا قلنا : إن الروح يعاد إلى الجسد أو إلى بعض الجسد عند المساءلة ، وهو قول الكثرين من أهل السنة ، وإما بإذن القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح ، من غير رجوع منه إلى الجسد ، أو إلى بعضه ، وقد روي أن عائشة احتجت بقول الله سبحانه : « وما أنْتَ بمُسْمِع مَنْ في القُبور » وهذه الآية كقوله تعالى : « أفأنت تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدي العُمْىَ » أي : إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب ، لا أنت ، وجعل الكفار أمواتاً وصماً على جهة التشبيه بالأموات ، وبالصم ، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة ، إذا شاء لا نبيه ، ولا أحد ، فإذاً لا تعلق بالآية من وجهين ، أحدهما : أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان . الثاني : أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو ، ويفعل ما شاء وهو على كل شيء قدير .