عبد الرحمن السهيلي
63
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
شعر حسان : فصل : وذكر شعر حسان وقال فيه : * كخطّ الوحي في الورق القشيب * القشيب في اللغة : الجديد ، ولا معنى له في هذا البيت ، لأنهم إذا وصفوا الرسوم وشبهوها بالكتب في الورق ، فإنما يصفون الخط حينئذ بالدروس والامحاء ، فإن ذلك أدل علي عفاء الديار وطموس الآثار ، وكثرة ذلك في الشعر تغني عن الاستشهاد عليه ، ولكن منه قول النابغة : وقفت فيها أُصيلانا أسائلها * عيت جواباً وما بالرّبع من أحد إلا الأواري لأياما أبينها * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد وقول زهير : وقفت بها من بعد عشرين حجّةً * فلأياً عرفت الدار بعد توهّم وقال آخر : وإلاّ رسوم الدار قفراً كأنها * سطورٌ محاها الباهليّ بن أصمعا ولكن أراد حسان بالقشيب ها هنا الذي خالطه ما يفسده ، إما من دنس ، وإما من قدم ، يقال : طعام مقشب ، إذا كان فيه السم . وقال الشاعر : خويلد بن مرة أبو خراش الهذلي : * نحر تخاله نسراً قشيبا * معناه : مسموم ، لأن القشب هو السم قاله ابن قتيبة في تفسير حديث آخر من يخرج من النار ، وفيه قشبني ريحها ، وأحرقني ذكاها . وقال أبو حنيفة في القشب هو : نبات رطب مسموم ينصب لسباع الطير في لحم ، فإذا أكلته ماتت ، قال : والعرب يجنبونه ماشيتهم في المرعى ، كي لا تحطمه ، فيفوح من ريحه ما يقتلها ، فقوله في البيت الذي استشهد به القتبي : تخاله نسراً قشيباً ، أي : نسراً أكل ذلك القشب في اللحم والله أعلم ، قال : والألب أيضاً ، ضرب من القشب ، إن وجدت ريحه سباع الطير عميت وصمت ، وإن أكلته ماتت ، قال : والضجاج أيضاً : كل نبات مسموم . معنى إلقائهم في القليب : فصل : فإن قيل : ما معنى إلقائهم في القليب ، وما فيه من الفقه ؛ قلنا : كان من سنته عليه السلام في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمناً ، كان أو كافراً ، هكذا وقع في السنن للدارقطني ، فإلقاؤهم في القليب من هذا الباب ، غير أنه كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم ، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم ، ووافق أن القليب حفره رجل من بني النار ، اسمه : بدر ، فكان . فألاً مقدماً لهم ، وهذا على أحد القولين في بدر ، والله أعلم . عود إلى شعر حسان : وفي شعر حسان أيضاً : * بنو الأوس الغطارف وازرتها * ولو قال آزرتها بالهمز لجاز ، وكان من الأزر ، وفي التنزيل فآزره أي : شد أزره ، وقواه ، ولكن أراد