عبد الرحمن السهيلي

12

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

« وأُخَرُ مُتَشَابهاتٌ » فأهل الزيغ يعطفون المتشابه على أهوائهم ويجادلون به عن آرائهم ، والراسخون في العلم يردون المتشابه إلى المحكم أخذاً بقول الله تعالى : « فإن تنازَعْتُم في شَيْءٍ فَرُدُّوه إلى اللَّهِ والرسول » وعلماً بأن الكل من عند الله فلا يخالف بعضه بعضاً . روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : « فأمَّا الذين في قُلوبِهِمْ زيْغٌ فيَتَّبُعُون ما تشابه منه ابتغَاءَ الفِتْنَة وابتِغَاءَ تأويلِه » قال : إذا رأيتم الذين يجادلون فيه ، فهم أولئك فاحذروهم : وللسلف في معنى المحكم ومعنى المتشابه أقوال متقاربة ، إلا أن منهم من يرى الوقف على قوله : « وما يعلم تأويله إلا اللّه » ويرونه تمام الكلام ، ويحتجون بقراءة ابن عباس ويقول : الراسخون في العلم ، وهو قول عمر بن عبد العزيز أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل ، وإن علموا التفسير . والتأويل عند هؤلاء غير التفسير إنما هو عندهم في معنى قوله سبحانه : « يوم يأتي تأويلُه » وطائفة يرون أن قوله : والراسخون معطوف على ما قبله ، وأنهم عالمون بالتأويل ، ويحتجون بما يطول ذكره من أثر ونظر ، والذي أرتضيه من ذلك مذهب ثالث ، وهو الذي قاله ابن إسحاق في هذا الكتاب ، ومعناه كله أن الكلام قد تم في قوله : وما يعلم تأويله إلا الله . والراسخون في العلم : مبتدأ ، لكن لا نقول : إنهم لا يعلمون تأويله . كما قالت الطائفة الأولى ، ولكن نقول : إنهم يعلمونه برد المتشابه إلى المحكم ، وبالاستدلال على الخفي بالجلي ، وعلى المختلف فيه بالمتفق عليه ، فتنفذ بذلك الحجة ، ويزاح الباطل ، وتعظم درجة العالم عند الله تعالى ، لأنه يقول : آمنت به كل من عند ربي فكيف يختلف ؟ ! ولما كان العلمان مختلفين : علم الله ، وعلم الراسخين في العلم لم يجز عطف : الراسخون على ما قبله ، فالله يعلم تأويله العلم القديم . لا بتذكر ، ولا بتفكر ، ولا بتدقيق نظر ، ولا بفحص عن دليل ، فلا يعلم تأويله هكذا إلا الله ، والراسخون في العلم يعلمون تأويله بالفحص عن الدليل ، وبتدقيق النظر وتسديد العبر ، فهم كما قال الله تعالى : « ومَا يَذَّكَّر إِلا أُولُو الألبَابِ » وهذا معنى كلام ابن إسحاق في الآية . احتجاج القسيسين والأخبار للتثليث : فصل : وذكر احتجاج الأحبار والقسيسين من أهل نجران بقوله عز وجل : خلقنا وأمرنا وأشباه ذلك ، وقالوا : هذا يدل على أنه ثالث ثلاثة تعالى الله عن قولهم ، وهذا من الزيغ بالمتشابه ، دون رده إلى المحكم نحو قوله : « وإلهُكُمْ إِلهٌ واحدٌ » و : « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » والعجب من ضعف عقولهم : كيف احتجوا على محمد بما أنزل على محمد ، وهو أعلم بمعنى ما أنزل عليه ، لأن هذا اللفظ الذي احتجوا به مجاز عربي ، وليس هو لفظ التوراة والإنجيل ، وأصل هذا المجاز في العربية أن الكتاب إذا صدر عن حضرة ملك كانت العبارة فيه عن الملك بلفظ الجمع دلالةً على أنه كلام ملك متبوع على أمره ، وقوله : فلما خاطبهم الله تعالى بهذا الكتاب العزيز أنزله على مذاهبهم في الكلام ، وجاء اللفظ فيه على أسلوب الكلام الصادر عن حضرة الملك ، وليس هذا في غير اللسان العربي ، ولا يتطرق هذا المجاز في حكم العقل إلى الكلام القديم ، إنما هو في اللفظ المنزل ، ولذلك نجده إذا أخبر عن قول قاله لنبي قبلنا ، أو خاطب به غيرنا نحو قوله : « ما مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لما خلقتُ بِيدَيَّ » ولم يقل : خلقنا بأيدينا ، كما قال : مما عملته أيدينا ، وقال حكاية عن وحيه لموسى : « ولِتُصْنَع على عَيْنِي » ولم يقل : كما قال في الآية الأخرى : « تجري بأعْيُنِنا » لأنه أخبر عن قول قاله لم ينزله بهذا اللسان العربي ولم يحك لفظاً أنزله ، وإنما أخبر عن المعنى ، وليس المجاز في المعنى ، وكذلك لا يجوز لعبد أن يقول رب اغفروا ، ولا ارحموني ، ولا عليكم توكلت ، ولا إليكم أنبت ، ولا قالها نبي قط في مناجاته ، ولا نبي في دعائه لوجهين ، أحدهما : أنه واجب على العبد أن يشعر قلبه التوحيد ، حتى يشاكل لفظه عقده . الثاني : ما قدمناه من سير هذا المجاز ، وأن سببه صدور الكلام عن حضرة الملك موافقةً للعرب في هذا الأسلوب من كلامها ، واختصاصها بعادة ملوكها وأشرافها ، ولا ننظر لقول من قال في هذه المسألة ، وبذلك روجعوا ، يعني : بلفظ الجمع ، واحتج بقوله سبحانه خبراً عمن