عبد الرحمن السهيلي

13

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

حضره الموت من الكفار إذ يقول : رب ارجعون ، فيقال له : هذا خبر عمن حضرته الشياطين ، ألا ترى قبله : وأعوذ بك رب أن يحضرون ، فإنما جاء هذا حكايةً عمن حضرته الشياطين ، وحضرته زبانية العذاب وجرى على لسانه في الموت ما كان يعتاده في الحياة من رد الأمر إلى المخلوقين ، فلذلك خلط ، فقال : رب ، ثم قال : ارجعون ، وإلا فأنت أيها الرجل المجيز لهذا اللفظ في مخاطبة الرب سبحانه : هل قلت قط في دعائك : ارحمون يا رب ، وارزقون ؟ ! بل لو سمعت غيرك يقولها لسطوت به ، وأما قول مالك وغيره من الفقهاء الأمر عندنا ، أو رأينا كذا ، أو نرى كذا ، فإنما ذلك ، لأنه قول لم ينفرد به ، ولو انفرد به لكان بدعة ، ولم يقصد به تعظيماً لنفسه ، لا هو ولا غيره من أهل الدين والدعة . احتجاجهم لألوهية عيسى والرد عليهم : وأما احتجاج القسيسين بأنه كان يحيي الموتى ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ، فلو تفكروا لأبصروا أنها حجة عليهم ، لأن الله تعالى خصه دون الأنبياء بمعجزات تبطل مقالة من كذبه ، وتبطل أيضاً مقالة من زعم أنه إله أو ابن الإله واستحال عنده أن يكون مخلوقاً من غير أب ، فكان نفخه في الطين ، فيكون طائراً حياً : تنبيهاً لهم لو عقلوه على أن مثله كمثل آدم خلق من طين ، ثم نفخ فيه الروح ، فكان بشراً حياً ، فنفخ الروح في الطائر الذي خلقه عيسى من طين ليس بأعجب من ذلك ، الكل فعل الله ، وكذلك إحياؤه للموتى ، وكلامه في المهد ، كل ذلك يدل على أنه مخلوق من نفخة روح القدس في جيب أمه ، ولم يخلق من مني الرجال ، فكان معنى الروح فيه عليه السلام أقوى منه في غيره ، فكانت معجزاته روحانيةً دالةً على قوة المناسبة بينه وبين روح الحياة ، ومن ذلك بقاؤه حياً إلى قرب الساعة . وروي عن أبي بن كعب أن الروح الذي تمثل لها بشراً هو الروح الذي حملت به ، وهو عيسى عليه السلام دخل من فيها إلى جوفها . رواه الكشي بإسناد حسن يرفعه إلى أبي ، وخص بإبراء الأكمه والأبرص ، وفي تخصيصه بإبراء هاتين الآفتين مشاكلة لمعناه عليه السلام وذلك أن فرقة عميت بصائرهم ، فكذبوا نبوته ، وهم اليهود وطائفة غلوا في تعظيمه بعدما ابيضت قلوبهم بالإيمان ، ثم أفسدوا إيمانهم بالغلو ، فمثلهم كمثل الأبرص أبيض بياضاً فاسداً ، ومثل الآخرين مثل الأكمه الأعمى ، وقد أعطاه الله من الدلائل على الفريقين ما يبطل المقالتين ، ودلائل الحدوث تثبت له العبودية ، وتنفي عنه الربوبية ، وخصائص معجزاته تنفي عن أمه الريبة وتثبت له ولها النبوة والصديقية ، فكان في مسيح الهدى من الآيات ما يشاكل حاله ، ومعناه حكمةً من الله ، كما جعل في الصورة الظاهرة من مسيح الضلالة ، وهو الأعور الدجال ما يشاكل حاله ، ويناسب صورته الباطنة ، على نحو ما شرحنا وبينا في إملاء أمليناه على هذه النكتة في غير هذا الكتاب والحمد لله . رب إني وضعتها أنثى : فصل : وذكر في تفسير ما نزل فيهم قول حنة أم مريم ، وهي بنت ماثان : « رَبِّ إنِّي وَضَعْتُها أُنْثَى » قال بعض أهل التأويل : أشارت إلى معنى الحيض أن الأنثى تحيض ، فلا تخدم المسجد ، ولذلك قال : وليس الذكر كالأنثى لأن الذكر لا يحيض ، فهو أبداً في خدمة المسجد ، وهذه إشارة حسنة . فإن قيل : كان القياس في الكلام أن يقال : وليس الأنثى كالذكر ، لأنها دونه ، فما باله بدأ بالذكر ؟ والجواب : أن الأنثى إنما هي دون الذكر في نظر العبد لنفسه ؛ لأنه يهوى ذكران البنين ، وهم مع الأموال زينة الحياة الدنيا وأقرب إلى فتنة العبد ، ونظر الرب للعبد خير من نظره لنفسه ، فليس الذكر كالأنثى على هذا ، بل الأنثى أفضل في الموهبة ، ألا تراه يقول سبحانه : « يَهَبُ لِمَنْ يشاء إناثاً » فبدأ بذكرهن قبل الذكور ، وفي الحديث : ابدؤوا بالإناث ، يعني : في الرحمة وإدخال السرور على البنين ، وفي الحديث أيضاً : من عال جاريتين دخلت أنا وهو الجنة كهاتين فترتب الكلام في التنزيل على حسب الأفضل في نظر الله للعبد ، والله أعلم بما أراد .