عبد الرحمن السهيلي

11

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ذكر نصارى نجران وما أنزل الله فيهم قد تقدم أن نجران عرفت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وأما أهلها فهم : بنو الحارث بن بكعب من مذحج . كن فيكون : ذكر فيه قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم : من أبوه يا محمد ، يعنون عيسى ، فأنزل الله تعالى : « إن مَثَلَ عيسَى عندَ اللّه » إلى قوله : « كن فيكون » وفيها نكتة ، فإن ظاهر الكلام أن يقول : خلقه من تراب ، ثم قال له : كن فكان ، فيعطف بلفظ الماضي على الماضي ، والجواب : أن الفاء تعطي التعقيب والتسبيب ، فلو قال : فكان لم تدل الفاء إلا على التسبيب ، وأن القول سبب للكون ، فلما جاء بلفظ الحال دل مع التسبيب على استعقاب الكون للأمر من غير مهل ، وأن الأمر بين الكاف والنون ، قال له : كن فإذا هو كائن ، واقتضى لفظ فعل الحال كونه في الحال ، فإن قيل وهي مسألة أخرى : إن آدم مكث دهراً طويلاً ، وهو طين صلصال ، وقوله للشيء : كن فيكون يقتضي التعقيب ، وقد خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وهي ستة آلاف سنة ، فأين قوله : كن فيكون من هذا ؟ فالجواب : ما قال أهل العلم في هذه المسألة ، وهو أن قول الباري سبحانه : كن يتوجه إلى المخلوق مطلقاً ومقيداً ، فإذا كان مطلقاً كان كما أراد لحينه ، وإذا كان مقيداً بصفة أو بزمان كان كما أراد على حسب ذلك الزمان الذي تقيد الأمر به ، فإن قال له : كن في ألف سنة ، كان في ألف سنة ، وإن قال له : كن فيما دون اللحظة كان كذلك . معنى آيات محكمات : فصل : وذكر صدر سورة آل عمران ، وفسر منه كثيراً ، فمنه قوله سبحانه : « منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ » وهو ما لا يحتمل إلا تأويلاً واحداً ، وهو عندي من أحكمت الفرس بحكمته ، أي : منعته من العدول عن طريقه كما قال حسان : * ونحكم بالقوافي من هجانا * أي : نلجمه فنمنعه ، وكذلك الآية المحكمة لا تتصرف بقارئها التأويلات ، ولا تتعارض عليه الاحتمالات ، وليس من لفظ الحكمة ، لأن القرآن كله حكمة وعلم . والمتشابه يميل بالناظر فيه إلى وجوه مختلفة ، وطرق متباينة ، وقوله سبحانه : « كتابٌ أُحْكِمَت آياتُه » هذا من الحكمة ومن الإحكام الذي هو الإتقان ، فالقرآن كله محكم على هذا ، وهو كله من هذا الوجه متشابه أيضاً ، لأن بعضه يشبه بعضاً في براعة اللفظ ، وإعجاز النظم ، وجزالة المعنى ، وبدائع الحكمة ، فكله متشابه وكله محكم ، وعلى المعنى الأول : « منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ »