عبد الرحمن السهيلي

281

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ما بلغكم في هذا ، يعني : الضمة التي انضمها القبر عليها ؟ قال : كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير . لم يكن حسان جباناً : فصل : وذكر حديث حسان حين جعل في الآطام مع النساء والصبيان ، وما قالت له صفية في أمر اليهودي حين قتلته ، وما قال لها ، ومحمل هذا الحديث عند الناس على أن حساناً كان جباناً شديد الجبن ، وقد دفع هذا بعض العلماء ، وأنكره ؛ وذلك أنه حديث منقطع الإسناد ، وقال : لو صح هذا لهجي به حسان ، فإنه كان يهاجي الشعراء كضرار وابن الزبعرى ، وغيرهما ، وكان يناقضونه ويردون عليه ، فما عيره أحد منهم بجبن ، ولا وسمه به ، فدل هذا على ضعف حديث ابن إسحاق ، وإن صح فلعل حسان أن يكون معتلاً في ذلك اليوم بعلة من شهود القتال ، وهذا أولى ما تأول عليه ، وممن أنكر أن يكون هذا صحيحاً أبو عمر رحمه الله في كتاب الدرر له . حديث الصورين ودحية : فصل : وذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة حين مر بالصورين ، والصور القطعة من النخل ، فسألهم ، فقالوا : مر بنا دحية بن خليفة الكلبي . هو : دحية بفتح الدال ، ويقال : دحية بكسر الدال أيضاً ، والدحية بلسان اليمن : الرئيس ، وجمعه دحاء ، وفي مقطوع الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف دحية ، تحت يد كل دحية سبعون ألف ملك ، ذكره القتبي ، ورواه ابن سنجر في تفسيره مسنداً إلى عبد الله بن الهذيل ، رواه عنه أبو التياح ، وذكر أن حماد بن سلمة قال لأبي التياح حين حدثه بهذا الحديث : ما الدحية ؟ قال : الرئيس ، وأما نسب دحية فهو ابن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج ، والخزرج العظيم البطن ابن زيد مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رقيدة بن ثور بن كلب يذكر من جماله أنه كان إذا قدم المدينة لم تبق معصر ، وهي المراهقة للحيض ألا خرجت تنظر إليه . لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة : وذكر قوله عليه السلام : لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ، فغربت عليهم الشمس قبلها ، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة ، فما عابهم الله بذلك في كتابه ، ولا عنفهم به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بطاهر حديث أو آية ، فقد صلت منهم طائفة قبل أن تغرب الشمس ، وقالوا : لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الصلاة عن وقتها ، وإنما أراد الحث والإعجال ، فما عنف أحد من الفريقين ، وفي هذا دليل على أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب ، وفي حكم داود وسليمان في الحرث أصل لهذا الأصل أيضاً ، فإنه قال سبحانه : « ففَهَّمْنَاها سُلَيْمانَ وكُلاَّ آتينا حُكْماً وعِلْماً » الأنبياء ، ولا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان وخطأً في حق غيره ، فيكون من اجتهد في مسألة فأداه اجتهاده إلى التحليل مصيباً في استحلاله ، وآخر اجتهد فأداه ، اجتهاده ونظره إلى تحريمها ، مصيباً في تحريمها ، وإنما المحال أن يحكم في النازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد ، وإنما عسر فهم هذا الأصل على طائفتين : الظاهرية والمعتزلة ، أما الظاهرية فإنهم علقوا الأحكام بالنصوص ، فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر ، وإباحة معاً إلا على وجه النسخ ، وأما المعتزلة ، فإنهم علقوا الأحكام بتقبيح العقل وتحسينه ، فصار حسن الفعل عندهم أو قبحه صفة عين ، فاستحال عندهم أن يتصف فعل بالحسن في حق زيد والقبح في حق عمرو ، كما يستحيل ذلك في الألوان ، والأكوان وغيرهما من الصفات القائمة بالذوات ، وأما ما عدا هاتين الطائفتين من أرباب الحقائق ، فليس الحظر والإباحة عندهم بصفات أعيان ، وإنما هي صفات أحكام ، والحكم من الله تعالى يحكم بالحظر في النازلة على