عبد الرحمن السهيلي

282

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

من أداه واجتهاده إلى الحظر ، وكذلك الإباحة والندب والإيجاب والكراهة ، كلها صفات أحكام ، فكل مجتهد وافق اجتهاده وجهاً من التأويل ، وكان عنده من أدوات الاجتهاد ما يترفع به عن حضيض التقليد إلى هضبة النظر ، فهو مصيب في اجتهاده مصيب للحكم الذي تعبد به ، وإن تعبد غيره في تلك النازلة بعينها بخلاف ما تعبد هو به ، فلا يعد في ذلك إلا على من لا يعرف الحقائق أو عدل به الهوى عن أوضح الطرائق . قصة أبي لبابة : فصل : وذكر أبا لبابة واسمه رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر وقيل : اسمه مبشر ، وتوبته وربطه نفسه حتى تاب الله عليه ، وذكر فيه أنه أقسم ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين أن فاطمة أرادت حلة حين نزلت توبته ، فقال : قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فاطمة مضغة مني ، فصلى الله عليه ، وعلى فاطمة ، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر ، وأن من صلى عليها ، فقد صلى على أبيها صلى الله عليه وسلم وفيه : أنزل الله تعالى : « وآخَرُون اعْتَرفُوا بذنوبهم خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً » التوبة الآية ، غير أن المفسرين اختلفوا في ذنبه ما كان ، فقال ابن إسحاق ما ذكره في السيرة من إشارته على بني قريظة ، وقال آخرون : كان من المخلفين : الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فنزلت توبة الله عليه في هذه الآية . الفرق بين لعلي وعسى وليت : فإن قيل : ليس في الآية نص على توبته وتوبة الله عليه أكثر من قوله تعالى : « عسى اللّه أن يتوبَ عليهم » . فالجواب : أن عسى من الله واجبة وخبر صدق . فإن قيل : وهو سؤال يجب الاعتناء به : إن القرآن نزل بلسان العرب ، وليست عسى في كلام العرب بخبر ، ولا تقتضي وجوباً ، فكيف تكون عسى واجبةً في القرآن ، وليس بخارج عن كلام العرب ؟ وأيضاً : فإن لعل تعطي معنى الترجي ، وليست من الله واجبة ، فقد قال : « لعلهم يشكرون » فلم يشكروا ، وقال : « لعله يتذكر أو يَخْشَى » فلم يتذكر ولم يخش ، فما الفرق بين لعل وعسى حتى صارت عسى واجبة ؟ . قلنا : لعل تعطي الترجي ، وذلك الترجي مصروف إلى الخلق ، وعسى مثلها في الترجي ، وتزيد عليها بالمقاربة ، ولذلك قال : « عسى أن يَبْعَثَك رَبُّك مقاماً مَحْمُوداً » الإسراء ومعناه الترجي مع الخبر بالقرب ، كأنه قال قرب أن يبعثك ، فالترجي مصروف إلى العبد ، كما في لعل ، والخبر عن القرب والمقاربة مصروف إلى الله تعالى ، وخبره حق ووعده حتم ، فما تضمنته من الخبر فهو الواجب دون الترجي الذي هو محال على الله تعالى ومصروف إلى العبد ، وليس في لعل من تضمن الخبر مثل ما في عسى ، فمن ثم كانت عسى واجبةً إذا تكلم الله بها ، ولم تكن كذلك لعل . فإن قيل : فهل يجوز في ليت ما كان في لعل من ورودها في كلام الباري سبحانه ، على أن يكون التمني مصروفاً إلى العبد ، كما كان الترجي في لعل كذلك ؟ قلنا : هذا غير جائز ، وإنما جاز ذلك في لعل على شرط وصورة ، نحو أن يكون قبلها فعل ، وبعدها فعل ، والأول سبب للثاني نحو قوله : « يعظُكم لَعَلَّكم تَذكَّرُون » النحل ، فقال بعض الناس : لعل ها هنا بمعنى كي ، أي : كي تذكروه ، وأنا أقول : لم يذهب منها معنى الترجي ، لأن الموعظة ، مما يرجى أن تكون سبباً للتذكر ، فعلى هذه الصورة وردت في القرآن ، ونحو قوله أيضاً : « فَلَعَلَّك تاركٌ بعضَ ما يُوحَى إليك وضائقٌ به صَدْرُك » هود هي ها هنا توقع وتخوف ، أي : ما أصابك من التكذيب مما يتخوف ويتوقع منه ضيق الصدر ، فهذا هو الجائز في لعل ، وأما أن