عبد الرحمن السهيلي
257
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
قوم من اليهود ، وكانت كبيرةً في الزمان الأول ، ويقال : كان فيها ثلاثمائة صائغ ، ذكر هذا الزبير في فضائل المدينة له : وكانت هذه الوقعة سنة ثلاث وستين ، وقد كان يزيد بن معاوية قد أعذر إليهم فيما ذكروا ، وبذل لهم من العطاء أضعاف ما يعطي الناس واجتهد في استمالتهم إلى الطاعة ، وتحذيرهم من الخلاف ، ولكن أبى الله إلا ما أراد ، والله يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون : « تِلْكَ أُمّةٌ قد خَلَت لها ما كَسَبتْ ولكم ما كَسَبْتُم ولا تُسْأَلون عما كانوا يَعْلَمُون » البقرة . معنى الربيئة فصل : وذكر حديث الأنصاري والمهاجري ، وهما عباد بن بشر ، وعمار بن ياسر ، وأن رجلاً من العدو رمى الأنصاري بسهم ، وهو يصلي لما علم أنه ربيئة القوم . الربيئة هو الطليعة ، يقال : ربأ على القوم يربأ فهو رباء وربيئة قال الشاعر الهذلي : ربّاء شمّاء لا يأوي لقلّتها * إلا السّحاب وإلاّ الأوب والسّبل فرباء : فعال من ربا إذا نظر من مكان مرتفع ، وشماء ، يريد هضبةً شماء ، وإنما قالوا : ربيئة بهاء التأنيث ، وطليعة ؛ لأنهما في معنى العين ، والعين مؤنثة ، تقول : ثلاث أعين ، وإن كانوا رجالاً ، يعني الطلائع ، لأن الطليعة والربيئة إنما يراد منه عينه الناظرة ، كما تقول في ثلاثة أعبد : أعتقت ثلاث رقاب ، فتؤنث ، لأن الرقبة ترجمة عن جميع العبد ، كما أن العين الذي هو الطليعة كذلك ، ويجوز أن تكون الهاء في ربيئة وطليعة للمبالغة ، كما هي في علامة ونسابة ، فعلى الوجه الأول تقول : ثلاث طلائع ، وثلاث ربايا في جمع ربيئة ، كما تقول : ثلاث أعين ، لأنه باب واحد من التأنيث ، وإذا كانت الهاء للمبالغة قلت : ثلاثة وأربعة ، لأنك تقصد التذكير ، لأن هاء المبالغة لا توجب تأنيث المسمى ، ولأنها في الصفة ، والصفة بعد الموصوف ؛ ولذلك تقول : هذا علامة ، ولا تقول : هذه علامة بخلاف الرقبة والعين ، لأنك تقول في العبد الذكر : هذه رقبةً فأعتقها ، وفي العين : هذه طليعة ، وهذه عين ، وأنت تعني الرجل . هذا معنى الفرق بينهما . وفي هذا الحديث من الفقه صلاة المجروح وجرحه يثعب دماً ، كما فعل عمر بن الخطاب ، وقد ترجم بعض المصنفين عليه لموضع هذه الفقه ، وفيه متعلق لمن يقول : إن غسل النجاسة ، لا يعد في شروط صحة الصلاة ، وفيه من الفقه أيضاً تعظيم حرمة الصلاة ، وأن للمصلي أن يتمادى عليها ، وإن جر إليه ذلك القتل ، وتفويت النفس ، مع أن التعرض لفوات النفس ، لا يحل إلا في حال المحاربة ، ألا ترى إلى قوله : لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها ، يعني : السورة التي كان يقرؤها . حول رجز معبد وشعر حسان وأبي سفيان وذكر قول معبد : * وعجوة من يثرب كالعنجد * العنجد : حب الزبيب ، وقد يقال للزبيب نفسه أيضاً عنجد ، وأما العنب ، فيقال : لعجمه : الفرصد . والأتلد : الأقدم من المال التليد . وأما قول حسان : * دعوا فلجأت الشّام * جمع فلج ، وهو الماء الجاري ، سمي فلجاً ، لأنه قد خد في الأرض ، وفرق بين جانبيه مأخوذ من فلج الأسنان ، أو من الفلج وهو القسم ، والفالج مكيال يقسم به ، والفلج والفالج بعير ذو سنامين ، وهو من هذا الأصل ، ورواه أبو حنيفة بالحاء وقال : الفلجة المزرعة .