عبد الرحمن السهيلي

196

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

يعلق في ثمر الجنة تأوله بعضهم مخصوصاً بالشهيد ، وقال بعضهم : إنما الشهيد في الجنة يأكل منها حيث شاء ، ثم يأوي إلى قناديل معلقة في العرش ، وغير الشهيد ، من المؤمنين نسمته ، أي : روحه طائر ، لا أن روحه جعل في جوف طائر ، ليأكل ويشرب ، كما فعل بالشهيد لكن الروح نفسه طائر يعلق بشجر الجنة ، يعلق بفتح اللام ينشب بها ، ويرى مقعده منها ، ومن رواه : يعلق فمعناه يصيب العلقة ، أي : ينال منها ما هو دون نيل الشهيد ، فضرب العلقة مثلاً ، لأن من أصاب العلقة من الطعام والشراب فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممن أدرك الرغد ، فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى . وإن كان أراد بيعلق الأكل نفسه ، فهو مخصوص بالشهيد ، فتكون رواية من رواه بالضم للشهداء ، ورواية الفتح لمن دونهم ، فالله أعلم بما أراد رسوله من ذلك . وقوله : ثم تأوي إلى قناديل يصدقه قوله تعالى عز وجل : « والشُّهَداءُ عند ربهم لَهُم أجْرُهم ونورُهم » الحديد . وإنما تأوي إلى تلك القناديل ليلاً ، وتسرح نهاراً ، فتعلم بذلك الليل من النهار ، وبعد دخول الجنة في الآخرة ، لا تأوي إلى تلك القناديل والله أعلم وإنما ذلك مدة البرزخ هذا ما يدل عليه ظاهر الحديث . وقال مجاهد : الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها ، وقد أنكر أبو عمر قول مجاهد ، ورده وليس بمنكر عندي ، ويشهد له ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الشهداء بنهر أو على نهر يقال له : بارق عند باب الجنة في قباب خضر يأتيهم رزقهم منها بكرةً وعشياً ، فهذا يبين ما أراد مجاهد ، والله أعلم . ومما وقع السيرة أيضاً ، ولم يذكره ابن هشام حديث رواه ابن إسحاق ، قال : حدثني إسحق بن عبد الله بن أبي فروة ، قال : حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الشهداء ثلاثة ، فأدنى الشهداء عند الله منزلةً رجل خرج مسوداً بنفسه ورحله ، لا يريد أن يقتل ولا يقتل أتاه سهم غرب فأصابه ، قال : فأول قطرة تقطر من دمه ، يغفر الله بها ما تقدم من ذنبه ، ثم يهبط الله إليه جسداً من السماء ، فيجعل فيه روحه ، ثم يصعد به إلى الله ، فما يمر بسماء من السماوات إلا شيعته الملائكة ، حتى ينتهي به إلى الله ، فإذا انتهى به إليه وقع ساجداً ، ثم يؤمر به فيكسى سبعين زوجاً من الإستبرق ، ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كأحسن ما رأيتم من شقائق النعمان . وحدث كعب الأحبار عن قول رسول الله عليه السلام فقال كعب الأحبار : أجل كأحسن ما رأيتم من شقائق النعمان ، ثم يقول : اذهبوا به إلى إخوانه من الشهداء ، فاجعلوه معهم ، فيؤتى به إليهم من قبة خضراء ، في روضة خضراء عند باب الجنة يخرج عليهم حوت ونور من الجنة لغدائهم ، فيلعبانهم ، حتى إذا كثر عجبهم منها طعن الثور الحوت بقرنه ، فبقره لهم عما يدعون . ثم يروحان عليهم لعشائهم ، فيلعبانهم ، حتى إذا كثر عجبهم منهما ضرب الحوت الثور بذنبه فبقره لهم عما يدعون ، فإذا انتهى إلى إخوانه سألوه تسألوا الراكب يقدم عليكم بلادكم ، فيقولون : ما فعل فلان ؟ فيقول : أفلس ، فيقولون : فما أهلك ماله فوالله إن كان لكيساً جموعاً تاجراً ، فيقال لهم : إنا لا نعد الفلس ما تعدون ، وإنما نعد الفلس من الأعمال ، فما فعل فلان وامرأته فلانة ؟ فيقول : طلقها ، فيقولون : فما الذي نزل بينهما ، حتى طلقها ، فوالله إن كان بها لمعجباً ؟ فيقولون : ما فعل فلان ؟ فيقولون : مات أيهات قبل بزمان ، فيقولون : هلك والله ما سمعنا له بذكر ، إن لله طريقين ، أحدهما : علينا ، والآخر ، يخالف بها عنا ، فإذا أراد الله بعبد خيراً أمر به علينا ، فعرفناه ، وعرفنا متى مات ، وإذا أراد الله بعبد شراً خولف به عنا ، فلم نسمع له بذكر ، هلك والله فلان ، فإن هذا لأدنى الشهداء عند الله نزلةً ، وإن