عبد الرحمن السهيلي
193
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
شيءٌ أَوْ يَتُوبَ عليهم » الآية لم يزد على ما في الكتاب منه . وفي تفسير الترمذي حديث مرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أبي سفيان والحارث بن هشام وعمرو بن العاص ، حتى أنزل الله تعالى : « ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم » قال : فتابوا وأسلموا ، وحسن إسلامهم ، وهذا حديث ثابت في حسن إسلام أبي سفيان خلافاً لمن زعم غير ذلك ، وأما الحارث بن هشام فلا خلاف في حسن إسلامه ، وفي موته شهيداً بالشام ، وأما عمرو بن العاصي ، فقد قال فيه النبي عليه السلام : أسلم الناس وآمن عمرو ، وقال في حديث جرى : ما كانت هجرتي للمال ، وإنما كانت لله ورسوله ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نعما بالمال الصالح للرجل الصالح ، فسماه : رجلاً صالحاً ، والحديث الذي جرى : أنه كان قال له : إني أريد أن أبعثك وجهاً يسلمك الله فيه ، ويغنمك ، وأزعب لك زعبةً من المال ، وستأتي نكت وعيون من أخبار الحارث ، وأبي سفيان فيما بعد إن شاء الله . معنى اتخذ وذكر قوله سبحانه : « وَيتَّخِذَ منكم شُهَدَاء » وفيه فضل عظم للشهداء وتنبيه على حب الله إياهم حيث قال : « وَيَتَّخِذَ منكم شُهَدَاء » ولا يقال : اتخذت ولا أتخذ إلا في مصطفىً محبوب ، قال الله سبحانه : « ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ » وقال : « وَلَم يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا وَلَداً » فالاتخاذ إنما هو اقتناء واجتباء ، وهو افتعال من الأخذ ، فإذا قلت : اتخذت كذا ، فمعناه : أخذته لنفسي ، واخترته لها ، فالتاء الأولى بدل من ياء ، وتلك الياء بدل من همزة أخذ ، فقلبت تاءً إذ كانت الواو تنقلب تاء في مثل هذا البناء ، نحو اتعد واتزر والياء أخت الواو ، فقلبت في هذا الموضع تاءً ، وكثر استعمالهم لهذه الكلمة ، حتى قالوا : تخذت بحذف إحدى التاءين اكتفاءً بأحديهما عن الأخرى ، ولا يكون هذا الحذف إلا في الماضي خاصة ، لا يقال : تتخذ كما يقال : تخذ ، لأن المستقبل ليس فيه همزة وصل ، وإنما فروا في الماضي من ثقل الهمزة في الابتداء ، واستغنوا بحركة التاء عنها ، وكسروا الخاء من تخذت لأنه لا مستقبل له مع الحذف ، فحركوا عين الفعل بالحركة التي كانت له في المستقبل . وكلامنا هذا على اللغة المشهورة ، وإلا فقد حكي يتخذ في لغة ضعيفة ذكرها أبو عبيد ، وذكرها النحاس في إعراب القرآن . أدلة على صحة خلافة أبي بكر وذكر قوله سبحانه : « أفإنْ مات أو قُتِل انْقَلَبْتم على أعقابكم » إلى قوله : « وسَيَجْزي اللَّهُ الشاكرين » ظهر تأويل هذه الآية حين انقلب أهل الردة على أعقابهم ، فلم يضر ذلك دين الله ، ولا أمة نبيه ، وكان أبو بكر يسمى : أمير الشاكرين لذلك ، وفي هذه الآية دليل على صحة خلافته ، لأنه الذي قاتل المنقلبين على أعقابهم حين ردهم إلى الدين الذي خرجوا منه ، وكان في قوله سبحانه : « وسَيَجْزِي اللَّهُ الشاكرين » دليل على أنهم سيظفرون بمن ارتد ، وتكمل عليهم النعمة ، فيشكرون ، فتحريضه إياهم على الشكر والشكر لا يكون إلا على نعمة دليل على أن بلاء الردة لا يطول ، وأن الظفر بهم سريع ، كما كان . وكذلك قوله سبحانه : « قُلْ لِلْمُخَلَّفين من الأعرَابِ » فيه أيضاً : التصحيح لخلافة أبي بكر ، لأنه الذي دعا الأعراب إلى جهاد حنيفة ، وكانوا أولي بأس شديد ، ولم يقاتلوا لجزية ، وإنما قوتلوا ليسلموا ، وكان قتالهم بأمر أبي بكر ، وفي سلطانه ، ثم قال : « فإن تطيعوا يُؤْتكُمُ اللَّهُ أجْراً حَسَناً » فأوجب عليهم الطاعة لأبي بكر ، فكان في الآية كالنص على خلافته . وكذلك قوله : « يا أيَّها الذين آمنوا اتَّقُوا اللّه وكانوا مع الصادقين » وقد بين في سورة الحشر من الصادقون ،