عبد الرحمن السهيلي
194
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وهم المهاجرون بقوله : « أولئك هم الصادقون » فأمر الذين تبوؤوا الدار والإيمان أن يكونوا معهم ، أي : تبعاً لهم ، فحصلت الخلافة في الصادقين بهذه الآية ، فاستحقوها بهذا الاسم ، ولم يكن في الصادقين من سماه الله الصديق إلا أبو بكر ، فكانت له خاصةً ، ثم للصادقين بعده . ربيون ورفعها في الآية وذكر قوله تعالى : « وكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قُتِل معه رِبِّيُّون كَثِيرٌ » ارتفع ربيون على تفسير ابن إسحاق بالابتداء ، والجملة في موضع الحال من الضمير في قتل ، وهذا أصح التفسيرين ، لأنه قال : فما وهنوا لما أصابهم ، ولو كانوا هم المقتولين ما قال فيهم : ما وهنوا لما أصابهم أي : ما ضعفوا ، وقد يخرج أيضاً قول من قال : ربيون مفعول لم يسم فاعله بقتل على أن يكون معنى قوله : فما وهنوا أي ما وهن الباقون منهم ، لما أصيبوا به من قتل إخوانهم ، وهذا وجه ، ولكن سبب نزول الآية يدل على صحة التفسير الأول . وقوله : ربيون ، وهم الجماعات في قول أهل اللغة ، وقال ابن مسعود : ربيون ألوف ، وقال أبان بن تغلب : الربي : عشرة آلاف . من تفسير آيات أحد وقوله تعالى : « فأثابكم غَمّاً بِغَمٍّ » وعلى : تفسير ابن إسحاق غماً بعد غم الباء متعلقة بمحذوف ، التقدير : غم مقرون بغم ، وعلى تفسير آخر متعلقة : بأثابكم ، أي : أثابكم غماً بما غممتم نبيه حين خالفتم أمره . وقوله : « ومنكم مَنْ يُريد الآخرة » قال ابن عباس : هو عبد الله بن جبير الذي كان أميراً على الرماة ، وكان أمرهم أن يلزموا مكانهم ، وألا يخالفوا أمر نبيهم ، فثبتت معه طائفة ، فاستشهد ، واستشهدوا ، وهم الذين أرادوا الآخرة ، وأقبلت طائفة على المغنم ، وأخذ السلب ، فكر عليهم العدو ، وكانت المصيبة ، وفي الخبر : لقد رأيت خدم هند وصواحبها ، وهن مشمرات في الحرب . والخدم : الخلاخيل ، وكذلك قوله حين ذكر هنداً ، وأنها اتخذت من آذان الشهداء وآنفهم خدماً وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشياً ، معناه : الخلاخل أيضاً . وقوله سبحانه : « لو كان لنا من الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنَا ههُنا » في صحيح التفسير أن عتاب بن قشير هو قائل هذه المقالة ، وكان منبوذاً بالنفاق . وقوله : « يَظُنُّون باللَّهِ غَيْر الحَقِّ » أي : يظنون أن الله خاذل دينه ونبيه . وقوله : « ظَنَّ الجاهِلِيَّة » أي : أهل الجاهلية كأبي سفيان وأصحابه . وذكر قوله : « وشَاوِرْهُم في الأمر » وفسره ، وقد جاء عن ابن عباس أنه قال : نزلت في أبي بكر وعمر أمر بمشاورتهما . حكم الغلول وذكر قوله : « وما كان لِنَبيٍّ أن يَغُلَّ » وفسره أن يكتم ما أنزل الله ، وأكثر المفسرين يقولون : نزلت في الغلو ، وفي بعض الآثار أنهم فقدوا قطيفةً من المغنم ، فقال قائل : لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ، فأنزل الله الآية ، ومن قرأ يغل بضم الياء وفتح الغين فمعناه أن يلقى غالاً ، تقول : أجبنت الرجل إذا ألفيته جباناً ، وكذلك أغللته : إذا وجدته . غالاً ، وقد قال عمرو بن معد يكرب لبني سليم : قاتلناكم ، فما أجبناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم وتفسير ابن إسحاق غير خارج عن مقتضى اللغة . فمن كتم فقد غل ، أي : ستر ، وكذلك من خان في شيء وأخذه خفيةً ، فقد ستره وكتمه ، وأصل الكلمة : الستر والإخفاء ، ومنه الغلالة والغلل للماء